فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 113

وإذا وازنت بين جهد العلماء المتأخرين في سبيل حفظ التراث والدواوين وبين جهد المتقدمين في حفظ الأحاديث عن طريق الأسانيد ، تجد مجال التفاضل بينهما غير متاح من حيث النتائج والآثار المترتبة عليها جميعًا ، ذلك لأن الأحاديث إذا كانت قد استقرت بأسانيدها في تلك الكتب في أثناء مرحلة الرواية ، فإن الكتب التي تحمل هذه الأحاديث والآثار قد وصلتنا مؤصلة منسوبة بدقة متناهية دون تحريف ولا تصحيف ، بحيث تطمئن النفوس إلى وثاقتها بفضل جهد المتأخرين .

ولولا تواصل الجهود في مراحلها المختلفة لضاعت السنة بأكملها ، وما بلغنا من السنة إلا ما حرف وصحف ، ولم يعرف له أصل ولا نسب .

وحين تقوم بدراسة"السماعات"التي كانت تسجل في المخطوطات وبشكل رسمي ، تجد عظمة ما قام به المتأخرون من الجهود والتضحيات ، ونوعية اهتمامهم وانشغالهم ، وبالتالي فلا يجوز لأحد أن يحط من قدر المتأخرين لأجل أولئك المتقدمين ، فيكون كمن يبني قصرًا ويهدم مصرًا .

وعلى كل فالذي يجب ذكره في هذا الصدد أن الجهود العظيمة التي بذلها المتأخرون في حفظ السنة النبوية قد تمخضت عن منهج علمي فريد في التعامل مع المخطوطات وعملية نسخها ومقابلتها وتحقيقها ونشرها ، كما تمخضت جهود المتقدمين عن منهج علمي فريد في مجال نقد المرويات . وما علينا إلا أن نستمد من هذه المنهجين ما يعيننا على مواجهة تحديات العصر في الدفاع عن السنة النبوية ،وهذا لا يتم إلا إذا ميزنا بين المتقدمين والمتأخرين فيما قدموه لنا من المناهج .

ومن هنا يجد كل منصف أن التفريق بين المتقدمين والمتأخرين بفاصل منهجي في قسمي علوم الحديث النظري والتطبيقي هو تعبير صادق عن الواقع ، وأنه لا يشكل تحاملًا على المتأخرين ولا طعنًا في جهودهم المبذولة لخدمة الحديث وعلومه ، لا من قريب ولا من بعيد ، بل يكون ذلك نموذجًا تطبيقيًا للأثر القائل"أنزلوا الناس منازلهم". وهذا بعينه هو موقف المتأخرين تجاه هذا الواقع ؛ إذ كانوا يشهدون في كتبهم ما يفيد بأن المتقدمين هم أهل التخصص ، وأن أعمالهم ونصوصهم هي الأساس في التصحيح والتعليل ،ومعرفة الجرح والتعديل ،وأنه يجب التسليم لهم في ذلك كله دون معارضة لهم .

قال الحافظ ابن حجر:"هذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكًا ، ولايقوم به إلا من منحه الله تعالى فهمًا غائصًا واطلاعًا حاويًا وإدراكًا لمراتب الرواة ، ومعرفة ثاقبة ، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم ،وإليهم المرجع في ذلك ، لما جعل الله تعالى فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه ، دون غيرهم ممن يمارس ذلك . وقد تقصر عبارة المعلل منهم ، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى ، كما في نقد الصيرفي سواء ، فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله ، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه ، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث (1) ."

وقال السخاوي في مناسبة تعليقه على شرح أبي حاتم منهج النقاد في معرفة صحيح الحديث وضعيفة:"وهو أمر يهجم على قلوبهم ، لا يمكنهم رده ، وهيئة نفسانية ، لا معدل لهم عنها ، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث ، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر ، لا ينكر عليهم ، بل يشاركهم ، ويحذو حذوهم ،وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة".

"هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله ، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعن ، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالًا نقادًا تفرّغوا له ،وأفنوا أعمارهم في تحصيله والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين".

"فتقليدهم ، والمشي وراءهم وإمعان النظر في تواليفهم ، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم وجودة التصور ،ومداومة الاشتغال ،وملازمة التقوى والتواضع ، يوجب لك ( إن شاء الله ) معرفة السنن النبوية ولا قوة إلا بالله" (2) .

وستأتي ( إن شاء الله تعالى ) تفاصيل ما أجملنا من القضايا النقدية ،وما يتصل بمنهج المحدثين النقاد فيها ، في مباحث القسم الأول ،والأمثلة التوضيحية لذلك في القسم الثاني .

وبقي لي شيء أخر يجب ذكره في هذه المناسبة ، كان على أن أختار في العنوان:"الموازنة بين النقاد وبين الفقهاء وعلماء الأصول"بدلًا من صيغة"الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين"لكني آثرتها لأسباب تاريخية وعلمية ومنهجية . وذلك لأنه إذا جعلنا العنوان:"الموازنة بين الفقهاء وعلماء الفقه والأصول"فإنه يوهم أن المحدثين النقاد لم يكونوا فقهاء ،وليس الأمر كذلك فإن النقاد هم محدثون وفقهاء ، وبدون الفقه لا يمكن لهم نقد الحديث نقدًا علميًا صحيحًا ، وكيف يتأكدون من خلو الحديث من الشذوذ ، الذي يعد شرطًا أساسيًا في التصحيح ، إذا لم يتفقهوا ؟ إذا الشذوذ ليس محصورًا في مخالفة الراوي لأوثق مه ، بل معناه أوسع من ذلك ، بحيث يشمل مخالفة الحديث للسنة الثابتة ، أو إجماع العلماء ، أو الواقع التاريخي ، أو العملي ، أو الحديثي (3) . هذا ولم يعرف لدى السلف في التمييز بين المدرستين المشهورتين سوى بـ"أهل الحديث وأهل الرأي"، وإذا نظرنا إلى أصحاب المذاهب نجد معظمهم محدثين فقهاء ، وكتاب صحيح البخاري والجوامع والسنن وموطأ الإمام مالك وسائر المصنفات أدلة ناصعة على ما ذكرناه .

ثم إن كثيرًا من المعاصرين ممن لهم اهتمام بالحديث وعلومه ينتهجون في التصحيح والتضعيف منهج الفقهاء ، مقرين في الوقت ذاته بأن صحة الحديث تتوقف على خلوه من العلة الأمر الذي يعد من صميم عمل نقاد الحديث .

وبما أن موضوع كتابي هذا شامل لهؤلاء المعاصرين أيضًا بقدر كبير يتعين أن يكون العنوان عامًا بحيث يشمل متأخري الفقهاء ومن يسلك مسلكهم في التصحيح والتضعيف ، ولذا أسميت الكتاب"الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها"، مراعيًا في ذلك صفة الأغلبية فيهما ، مع أن الهدف من ذلك بالدرجة الأولى هو الموازنة بين منهجين مختلفين ، وليس التحديد الحصري لأفراد هذه المنهجين .

وفي ختام هذه المقدمة أود أن أذكر القارئ الكريم بأن هذا الكتاب لا يهدف إلى التحامل على أحد من العلماء المتأخرين ولا المعاصرين ، ولا إلى التقليل من شأنهم لا لمزًا ولا همزًا ، وإنما كان هدفه الوحيد هو إحياء منهج المحدثين النقاد المتقدمين ، وتوعية الباحثين بضرورة العودة إلى ذلك المنبع الصافي لينهلوا منه قواعد علوم الحديث وأصول النقد ، مستمدين المنهج من جهود المتأخرين العظيمة في مجال الحديث وعلومه ، حيث نوّه إلى ذلك قبلنا العلماء المحققون حين قالوا بأن نقاد الحديث المتقدمين هم المرجوع إليهم في التصحيح والتضعيف وعلم الجرح والتعديل ، ووجوب التسليم لهم في ذلك .

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

كتبه أبو محمد حمزة بن عبد الله المليباري

كلية الشريعة - الجامعة الأردنية

عمان / الأردن

(1) النكت 2/711 . انظر اختصار علوم الحديث ص: 64 .

(2) المغيث 1/274 ( ط: سنة 1407 هـ إدارة البحوث الإسلامية بالجامعة السلفية ببنارس ) .

(3) لقد شرحت هذه المسألة الجوهرية في منهج التصحيح والتعليل في كتاب جديد للمؤلف عنوانه:"كيف ندرس علوم الحديث"، وهو في طور الإعداد ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لإكماله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت