... المصدر الثاني لابن الصلاح:
... ولئن كان الاحتجاج بالمرسل وما يتعلق به من الشروط التي ذكرها الإمام الشافعي ، ثم لخصها الإمام ابن الصلاح ضمن ذلك النص الذي سبق ذكره أمرًا في غاية الوضوح ، فإن الجانب الذي يتضمنه قول الإمام الترمذي يقتضي شيئًا من التفصيل والتحليل لنقف سويًا على ما يشكل إجابة علمية لتلك التساؤلات التي سبق طرحها آنفًا ،ولذا فإن نص الإمام الترمذي يكون المحور الرئيس في الفقرات التالية:
... يقول الإمام الترمذي:
..."وما قلنا في كتابنا هذا حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا:"
كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب .
ولا يكون الحديث شاذًا ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن" (1) اهـ ."
... ويمكن تلخيص هذا النص بما يلي: أن حسن السند يتحقق بمجرد كون راويه غير متروك ، كما في حرف (أ) ، ويتحقق حسن المتن بمجرد كونه مرويًا من غير وجه نحو ذلك ، كما في حرف (ب ) ، يعني بذلك ورود حديث آخر يؤيد معنى ذلك المتن ، أو ثبوت عمل أحد الصحابة بمقتضاه ، أو فتواه به ، على أساس أن تكون الجملة:"ويروى من غير وجه نحو ذلك"تفسيرًا للجملة:"ولا يكون الحديث شاذًا"ويكون ذلك جميعًا هو معنى قوله"حديث حسن"مجردًا عن الصحيح .
... وبذلك يكون لتحسين الإمام الترمذي مغزى آخر غير الذي يهدف إليه الكثيرون من المعاصرين من تحسين الحديث ، وهو زوال الشذوذ عن المتن بالطريقة التي بينتها آنفًا ، ولذا فما يحسنه في سننه لا يلزم أن يكون صالحًا للاحتجاج به دومًا ، كما سيأتي من التفصيل حول ذلك .
... والذي يهمنا هنا هو تحقيق معنى الشاذ في هذا النص باعتباره مصدرًا للإمام ابن الصلاح في تحديد الضابط في مسألة تقوية الحديث الضعيف ، وقد سبق في التساؤلات ماذا يقصد ابن الصلاح بقوله"وأن لا يكون الحديث شاذًا"؟ ،وهل يرى ضرورة الاحتراز من الشذوذ دون العلة في تقوية الضعيف ؟
... ويظن كثير منا أن الشاذ في نص الإمام الترمذي هو ما ألفناه في كتب المصطلح عمومًا من مخالفة الثقة أو الصدوق لمن هو أوثق منه ، وهذا غير سليم في نظري ؛ إذ لا يتسق كلام الترمذي على هذا المعنى للشاذ ، حيث إن مناسبته كانت فيما كان يرويه الضعيف غير المتهم بالكذب .
... فقد قال الحافظ العراقي ( رحمه الله تعالى ) :"فهذه أقسام الضعيف باعتبار الانفراد والاجتماع ، وقد تركت من الأقسام التي يظن انقسامه إليها بحسب اجتماع الأوصاف عدة أقسام ، وهي اجتماع الشذوذ ووجود ضعيف ، أو مجهول ، أو مستور في سنده لأنه لا يمكن اجتماع ذلك على الصحيح ، لأن الشذوذ تفرد الثقة فلا يمكن وصف ما فيه راو ضعيف أو مجهول أو مستور بأنه شاذ" (2) ا هـ .
... بيد أن قول الإمام الترمذي يكون متسقًا بعضه على بعض إذا فسرنا الشاذ بالمعنى الذي آثره ابن الصلاح في مقدمته ؛ إذ كل حديث مخالف للراجح يكون عنده شاذًا ، سواء كان راويه ثقة أم ضعيفًا . كما يعد ابن الصلاح ما تفرّد به الراوي الضعيف شاذا منكرًا أيضًا ، حيث إن مفهوم الشاذ عند أعم مما شرحه الإمام الشافعي حين جعله مقيدًا بالثقة ،وهو الذي اختاره كثير من اللاحقين .
(1) سنن الترمذي 5/758 ( قسم العلل ) .
(2) شرح ألفية العراقي 1/115 .