الأمر الثالث الذي اعتمده الشيخ في تصحيح حديث الخراز
... وأما الأمر الثالث الذي اعتمده الشيخ عبد الفتاح في تصحيح الحديث ، فهذا نصه:
..."وقال شيخ الإسلام المحدث المفسر شبير أحمد العثماني ( رحمه الله تعالى ) في مقدمة ( فتح الملهم ص 153) بعد نقل كلام السخاوي المذكور ما نصه:"
وعلى تقدير اشتراط عدم الشذوذ في الصحيح ، وتفسير الشذوذ بمخالفة الثقة لمن هو أرجح منه بحيث يتعسر الجمع بين روايتيهما: إنما يقتصرون في الحكم بالشذوذ على الأرجحية من جهة كثرة العدد أو قوة الحفظ فقط ، ولا يلتفتون إلى غيرهما من وجوه الترجيح بين الروايات التي تزيد على مئة وجه - كما ذكره السيوطي في التدريب - إلا إلى بعض أحوال الرواة نادرًا ، ولا يكادون يتجاوزون منها إلى ترجيح المرويات بعضها على بعض من حيث الحكم والمعنى .
ولعل هذا اصطلاح منهم بحسب موضوعهم ، فإن وظيفتهم الأصلية على الإٍسناد أو على المتن من جهة الإسناد ، فكأنهم أحالوا الخارج عن وظيفتهم على الفقهاء والأصوليين الذين وظيفتهم انتقاد المتون ، والبحث عن معانيها ، وترجيح بعض الأحاديث على بعض من حيث الحكم والمعنى ، وبما يرجع إلى غير أحوال الرواة وكيفيات التحمل ، فإن لكل فن رجالًا يقدمون في فنهم على غيرهم .
قال الترمذي رحمه الله في جامعه: الفقهاء هم أعلم بمعاني الأحاديث (1) . وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر رحمه الله: ولابن حبان تفصيل حسن (أي في تفاضل إسنادين أحدهما عن شيوخ الحديث مع قلة الوسائط ، والآخر عن الفقهاء مع كثرتها ، فأيهما يوصف بالعلو ) قال: إن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى ، وإن كان للمتن فالفقهاء ..
وأيضًا قد اشترطوا في الشاذ تعسر الجمع بينه وبين المحفوظ ، فقد يتيسر لقوم أمر يتعسر عند غيرهم ، والأئمة والفقهاء رحمهم الله هم الميسرون للجمع بين متون الأحاديث فهم المقدمون في هذا الباب .
قال صاحب التنقيح - ابن عبد الهادي - بعد الكلام على حديث عبد الملك بن أبي سليمان في الشفعة: وطعن شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا يقدح فيه ، فإنه ثقة ، وشعبة لم يكن من الحذاق في الفقه ، ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضًا ، إنما كان حافظًا ، وغير شعبة إنما طعن فيه تبعًا لشعبة .
فالإنصاف أن الحكم بالشذوذ من المحدثين لما كان مرجعه الترجيح من حيث كثرة العدد أو قوة الحفظ ونحوهما: لا يستلزم كون الحديث شاذًا مردودًا عند غيرهم من الفقهاء غير محتج به في الأحكام ، فإن وجوه الترجيح غير محصورة ، فلا يبعد أن يكون الحديث المرجوح من جهة تفرد الراوي أو قصور حفظه أرجح مما يقابله من سائر جهات الترجيح ..
فإن الشاذ ولو كان مردودًا لكونه مرجوحًا عند المحدثين من جهة خاصة يحتمل أن يكون راجحًا بحسب المتن من جهات أخر عند غيرهم ، فلا يمنع حكمهم بالشذوذ تجشم سائر المرجحات لغيرهم ،ولا منافاة بين كون الشيء مردودًا ومقبولًا من وجهين فليحفظ"انتهى كلام الشيخ العثماني مختصرًا ."
ثم عقبه الشيخ عبد الفتاح فقال:
"وبما تقدم من النصوص تبين للقارئ الكريم أن الشذوذ - بالمعنى المصطلح عليه عند المحدثين - لا ينافي الصحة الاصطلاحية ، فضلًا عن أن يستلزم الوضع والبطلان ، وهذا عند أصحاب الحديث مصنفي الصحاح وغيرهم".
"وأما عند الفقهاء والأصوليين فالأمر أوسع ، فإن الشذوذ - وحده- لا يقدح عندهم في صلاحية الحديث للاحتجاج به أيضًا ، كما سبق في كلام الإمام ابن دقيق العيد وبحث المحقق العثماني رحمهما الله تعالى".
"وبهذا يظهر أن حكم الحاكم والبيهقي ببطلان حديث ابن عمر المبحوث عنه لأجل الشذوذ: لا يبتني على أساس صحيح (!!) ، بل الحكم البطلان بمجرد الشذوذ يخالف قواعد الحديث والفقه جميعًا ، ويظهر أيضًا أن تعقب السندي أو النعماني ! حكم الحاكم والبيهقي وارد في محله".
انتهى كلام الشيخ عبد الفتاح .
وهذا النص كله مخالف للواقع العلمي الذي كان عليه منهج المحدثين النقاد ، ولذا كنت اتعجب كيف صدر هذا الكلام من الشيخ شبير أحمد ، وكيف جعله الشيخ عبد الفتاح أمرًا مسلمًا ، وإذا أرد عليهما محتوى هذه النصوص جملة وتفصيلًا فإني أقصد الدفاع عن الحق والصواب ، مع احترامي وتقديري لهما .
وقد سبق في القسم الأول من هذا الكتاب ما يدعو إلى احترام أهل التخصص في دائرة تخصصهم ، معززًا بنصوص الأئمة ، وإذا كان نقد المرويات ورواتها من اختصاص المحدثين النقاد ، فإن استنباط الفقه من النصوص القرآنية والنبوية يكون من وظائف الفقهاء المجتهدين ، مع العلم أن المحدثين النقاد في عصور الرواية ؛ كمالك وسفيان والشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم ممن جمعوا بين الحديث والفقه من النقاد الأوائل يشكلون مدرسة في الحديث والفقه .
ومن الجدير بالذكر أن نقد المرويات يتوقف على فهم معانيها ، كما يتوقف على معرفة ملابسات روايتها، وهذا معنى قول الإمام الحاكم: الحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة" (2) ، وليس هذا مجرد دعوى فارغة ، وإنما يشهد لذلك واقع عملهم في النقد ، ومن تتبع كتاب التمييز للإمام مسلم يتجلى له ذلك بوضوح ، فضلًا عن عشرات الكتب في العلل والصحاح ."
(1) كتاب الجنائز ، باب ما جاء في غسل الميت 2/230 .
(2) معرفة علوم الحديث ، ص 112 .