إشكالات أخرى في نص الحافظ ابن حجر
... ثم في سياق نص الحافظ بعض الإشكالات ، وهي أنه يقول:"لأن الإسناد إذا كان متصلًا وكان رواته كلهم عدولًا ضابطين ، فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ثم إذا انتفى كونه معلولًا فما المانع من الحكم بصحته"وفيه نظر ، لأنه إذا كان الراوي ثقة ، وكان سنده متصلًا لا يلزم من ذلك انتفاء العلة مطلقًا ، إنما يلزم منه إنتفاء العلة الظاهرة المتمثلة في ضعف الراوي وانقطاع السند فقط ، كما صرح بقوله:"فقد انتفت عنه العلة الظاهرة"، وعلى هذا يجب أن يكون معنى قوله"ثم إذا انتفى كونه معلولًا"أي معلولًا ظاهرًا"وليس على إطلاقه ."
... وبالتالي فإن التساؤل بقوله:"فما المانع عن الحكم بصحته"إنما يصح بعد جملة:"ثم إذا انتفى كونه معلولًا بعد تتبع القرائن الأخرى"وأما قبل التتبع والفحص عنها ، فلا يقال"ثم انتفى كونه معلولًا فما المانع عن الحكم بصحته"وذلك أن الحديث لا يصحح بثقة راويه واتصال سنده دون تتبع وبحث عما يحيط به من القرائن التي هي أساس الحكم على الحديث صحة أو ضعفًا ، إذ لم يعتبر ذلك أصلًا في مسألة التصحيح إلا في حالة عدم العثور على ملابسات الرواية وقرائنها .
... هذا وقد قال السخاوي:"وأما من لم يتوقف من المحدثين والفقهاء في تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة ( وهي: العدالة والضبط والاتصال ) صحيحًا ، ثم إن ظهر شذوذ أو علة رده ، فشاذ وهو استرواح ، حيث يحكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص وتتبع طرقه التي يعلم بها الشذوذ والعلة نفيًا وإثباتًا فضلًا عن أحاديث الباب كله التي ربما احتيج إليها في ذلك ، وربما إلى التصحيح متمسكًا بذلك من لا يحسن ، فالأحسن سد هذا الباب . وإن أشعر تعليل ابن الصلاح ظهور الحكم بصحة المتن من إطلاق الإمام المعتمد صحة الإسناد بجواز الحكم قبل التفتيش ، حيث قال:"لأن عدم العلة والقادح هو الأصل الظاهر"فتصريحه بالاشتراط يدفعه ، مع أن قصر الحكم على الإسناد - وإن كان أحق - لا يسلم من الفقهاء" (1) . يعني فقهاء المتأخرين بدون شك .
... ويقول البيهقي ( رحمه الله ) :"وهذا النوع من معرفة صحيح الحديث من سقيمه لا يعرف بعدالة الرواة وجرحهم وإنما يعرف بكثرة السماع ومجالسة أهل العلم بالحديث ومذاكرتهم والنظر في كتبهم والوقوف على روايتهم حتى إذا شذَّ منها حديث عرفه" (2) .
... وقال الحاكم ( رحمه الله ) : إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط ، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع ، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث . فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة ( رواة الحديث ثقات ) غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم لزم صاحب الحديث التنقير عن علته ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علته" (3) ."
... وقال في صدد بيان العلل:"والحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير" (4) . وقال أبوحاتم:"وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا" (5) .
... وكانت هذه التصريحات محل قبول وتقدير لدى جلة أهل العلم ، ولم ينازع أحد منهم نقاد الحديث في ذلك ، ولم يقل لهم: لكم منهج ولنا منهج . وكانت قصة أبي حاتم مع أحد جلة أهل الرأي معروفة لدى المشتغلين بالحديث ،وكذلك قصة البيهقي مع الإمام الجويني .
... وأما قول الحافظ ابن حجر"فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه أو أكثر عددًا لا يستلزم الضعف"فسليم ، لكن الإشكال: من الذي يعد تلك المخالفات كلها شاذة ؟ لا أحد .وإنما الشاذ - كما ذكر هو- مخالفة الراوي للراجح ، أو للواقع ، وقد يكون ما رواه الأوثق شاذًا مرجوحًا ،كما تكون رواية الجماعة شاذة أحيانًا ، وبالتالي ، وأن معرفة الواقع والراجح تعتمد أساسًا على القرائن ، وقد يكون من القرائن كون الراوي أوثق أوالعدد في الرواة ، لكن ليس مطردًا .
(1) فتح المغيث 1/20 ( تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان ، ط: 2 ، سنة 1388هـ ، المكتبة السلفية ) .
(2) معرفة السنن والآثار 1/144 .
(3) معرفة علوم الحديث ص: 59-60 ( تحقيق لجنة إحياء التراث العربي ، ط: 4 ، سنة 1400هـ دار الآفاق ) .
(4) المصدر السابق ص: 113.
(5) مقدمة الجرح والتعديل 1/350 .