فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 113

مناقشة قول الشيخ عبد الفتاح الذي أثار شبهات حول مفهوم"الشاذ"

... هكذا رفض الشيخ عبد الفتاح أن يضعف الحديث بشذوذه ، معولًا على نص الحافظ ابن حجر وغيره ، وكنت أستغرب صدور مثل هذا الكلام من الشيخ (رحمه الله ) ، الذي له باع طويل في الحديث وعلومه .

... وإن كان نص الحافظ ابن حجر يفيد بظاهره أن ثقة الراوي واتصال السند يكفي في الحكم على الحديث بصحته ، وأن خلوه من شذوذ وعلة ليس شرطًا للصحة ، لكن الحافظ نفسه ينقض هذه القاعدة جملة وتفصيلًا ، ولذا فإن هذا النص الغريب لا يصح اعتماده ، دون بحث عن نصوص الحافظ ابن حجر التي تدل بصراحة على أن خلو الحديث من شذوذ وعلة أهم شروط الصحيح . وإليك بعض هذه النصوص .

... يقول الحافظ ابن حجر ( رحمه الله ) :

..."صحة الحديث وحسنه ليس تابعًا لحال الراوي فقط ، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة" (1) .

..."وهذا ( يعني قبول زيادة الثقة مطلقًا ) قول جماعة من أئمة الفقه والأصول ، وجرى على هذا الشيخ محي الدين النووي في مصنفاته . وفيه نظر كثير ؛ لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشتمل على زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم ، ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتني بمروياته كالزهري وأضرابه بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها ، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة".

..."وقد نص الشافعي في ( الأم ) على نحو هذا فقال في زيادة مالك ومن تابعه في حديث ( فقد عتق منه ما عتق ) (2) : إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه ، أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظه عنه ، وهم عدد وهو فرد ، فأشار إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عددًا أنها تكون مردودة (3) . انتهى ."

... وقال أيضًا في رده على الدارقطني: وأما من حيث التفصيل فقد قررنا أن مدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل (4) .

... وقال أيضًا:"وأما المخالفة فينشأ عنها الشذوذ والنكارة فإذا روى الضابط والصدوق شيئًا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرًا ، وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير قد بين في الفصل الذي قبله بحمد الله تعالى (5) ."

... هذا والحافظ ابن حجر قد كان يقر بأن سلامة الحديث من الشذوذ والعلة شرط أساسي في الصحيح ، حيث إنه في أثناء رده على الإمام الدارقطني في جميع اعتراضاته على الإمام البخاري بأحاديث اختلف الرواة فيها لم يكن يدّعي أن الشذوذ ليس قادحًا في صحة الحديث ، وأن انتفاءه في الحديث ليس شرطًا في ذلك لدى أصحاب الصحاح .

... ثم إنه يبدو أن هذا الكلام صدر من الحافظ ابن حجر كمجرد نزاع في مسألة المخالفة ، كما عبّر عن ذلك السخاوي بقوله:"إن الحافظ قد مال إلى النزاع"، وكيف لا ! وهو الذي حرر مسألة الشذوذ ، مؤكدًا على قدحها في صحة الحديث . ثم إن كتب العلل والسنن والمسانيد تزخر بأحاديث الثقات التي أعلها النقاد بالمخالفة والتفرد ،وليس من الإنصاف العلمي غض الطرف عن هذا الواقع الملموس ليعول على قول الحافظ الذي يعد مجرد نزاع في مسألة الشذوذ المتمثل في المخالفة: هل يشترط في الصحيح أن يكون خاليًا منه أم لا ، دون أن يؤصل ذلك كقاعدة ؟

... هذا وقد أعلّ الحافظ ابن حجر الذي نحن بصدده بقوله:"هذا الحديث مقلوب موضوع"مع كونه صاحب القول الذي اعتمده الشيخ عبد الفتاح كقاعدة في تصحيح ذلك الحديث ، وهذا دليل واضح وناصع على أن الحافظ ابن حجر لم يرد بذاك النص التقعيد والتأصيل .

... وإن كان بعض نصوص الأئمة الواردة في الصحيح قد يوهم الاكتفاء بثقة الراوي واتصال السند ، لكن عملهم المستفيض يفسر بأن ذلك في حالة إذا لم يظهر لهم خطأ ووهم من الراوي الثقة وأما في حالة ثبوت الخطأ والوهم من خلال مخالفته الواقع ، أو تفرده بما ليس له أصل ، مثل الذي نحن بصدده ، فليس من المنهج بشيء أن يقال إن المحدثين اختلفوا في اشتراطهم خلو الحديث من الشذوذ والعلة .

... وقد رأيت هذا الموقف ذاته مع أحد شيوخ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، فحين شرحت له بعض أخطائه العلمية الفادحة ، المتمثلة في تصحيحه ما أعله النقاد من الأحاديث ، قال لي: إن سلامة الحديث من المخالفة والشذوذ ليس شرطًا في صحة الحديث مستدلًا بقول الحافظ ابن حجر هذا .

... كما وقع لشارح سنن الترمذي والمباركفوري ، حين حكم التيموري على حديث يحيى بن سعيد في وضع اليدين على الصدر ، بأنه شاذ ، لكونه مخالفًا للآخرين ، فقال الشارح ما معناه: ليس كل مخالفة تعد شاذة ، وإنما الصواب تقييد المخالفة بالمنافاة بحيث يتعذر الجمع (6) .

... ولا شك أن مثل هذا التذبذب والاضطراب في تطبيق مثل هذه المسألة من مسائل علوم الحديث يكون طبيعيًا لدى جميع الفئات ، وأصحاب الاتجاهات المختلفة ، إذا نظرنا بتمعن وإنصاف في طبيعة دراستنا لكتب المصطلح ، إذا كانت سطحية: نطلق فيما ينبغي تقييده ، ونقيد فيما يجب إطلاقه ، دون مراعاة منهج النقاد في ذلك ، ولذلك أصبحت القواعد الأساسية في علوم الحديث غير مؤصلة لدينا بشكل واضح .

... هذا ويمكن الجمع بين ما نقل الشيخ عبد الفتاح عن الحافظ ابن حجر وبين نصوصه الأخرى التي تدل على أن الشاذ قادح في الصحة ، بأن هذا النص إنما هو في حالة عدم تبين خطأ المخالف من خلال القرائن ، إذ المخالفة لا تعتبر بحد ذاتها شاذة ، وقد رأينا ابن الصلاح قد بيّن لنا في نوع العلة بأن المخالفة أو التفرد التي تصحبها قرائن تنبه العارف بهذا الشأن أنه خطأ ووهم ، هي التي تعد علة ، وليس مجرد المخالفة التي تكون هي محل نزاع لدى الحافظ ابن حجر ، فيما أرى.

... وفي ضوء ذلك فإن الحديث الذي تفرّد به عبد الله بن عون الخراز عن الإمام مالك مخالفًا الواقع الحديثي المعروف عنه ، ثم المعروف عن الزهري ثم المعروف عن ابن عمر ثم المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم رواية وعملًا فلا ينبغي رده اعتمادًا على نص الحافظ ، علمًا بأن الحافظ نفسه قال بأنه مقلوب موضوع .

(1) النكت 1/404.

(2) رواه البخاري في العتق باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين 2/892 ، ومسلم في أول كتاب العتق 2/1139.

(3) الحافظ ابن حجر ، النكت 2/688.

(4) هدي الساري مقدمة فتح الباري 1/11 .

(5) مقدمة الفتح 1/384-385.

(6) تحفة الأحوذي 1/216-17 . وقد ناقشنا هذه المسألة بإطناب في أحد أبحاثي المقبولة للنشر في مجلة كلية الشريعة بجامعة الكويت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت