الموازنة بين الموقفين
... لقد جرى بين الشيخ ناصر الدين الألباني والشيخ عبد الفتاح أبو غدة (رحمهما الله تعالى رحمة واسعة ) حول حديث عبد الله بن عون الخراز هذا ، حوار حامي الوطيس ،وأنا أذكر منه هنا ما يتصل بالنقاط العلمية ،وذلك لتجليه منهج النقاد في التصحيح والتضعيف ، وهو الذي يجب على الباحث انتهاجه فيهما ، مبرهنًا بذلك على وجود تباين منهجي في نقد الحديث بين نقده الحديث وغيرهم ، كمتأخري الفقهاء ، حتى يتم حفظ السنة النبوية من الآثار السلبية المترتبة على خلط الباحثين بين المناهج المتباينه ، في تنظير مسائل علوم الحديث وتطبيقها.
... ولعل من الأفضل أن أستهل هذه الموازنة بتلخيص سريع لما سبق من النصوص المتباينة في تضعيف حديث ابن عمر وتصحيحه ، حتى يكون ذلك تمهيدًا لما يأتي من التعقيبات .
... إن الأئمة: الحاكم والبيهقي وابن القيم وابن حجر ( رحمه الله عليهم جمعيًا) ضعفوا حديث عبدالله بن عون الخراز لكونه قد تفرّد بما لا يعرفه المعروفون من أصحاب مالك عنه ، بل وخالف ما عرفوه عنه ، ورووه ، ولم يكن لذلك الحديث أصل في حديث الزهري الذي هو مصدر مالك فيه ، ولا في حديث ابن عمر ،ولا في عمل النبي صلى الله عليه وسلم ، بل وقد خالف ما ثبت عنهم رواية وعملًا .
... وبذلك أصبح تضعيف هؤلاء الأئمة لحديث عبد الله بن عون الخراز وفق منهجية منضبطة بقواعد النقد لدى أئمة الحديث الأوائل في التصحيح والتضعيف ، وصارت عبارتهم المستخدمة في ذلك في غاية الدقة . وذلك أن هذه المخالفة من راو لاحق لسائر أصحاب مالك - وعلاوة على ذلك لم يعرفه أحد من أصحاب الزهري ولا من أصحاب ابن عمر - على هذا النحو لا تقع عادة إلا من جراء تصرف من هذا الراوي اللاحق فيما رواه .
... ومن المعلوم أنه كلما تأخر عهد الراوي عن عصور النهضة الحديثية ، فإن خطأه يتضح أكثر، من خلال تفرده بما لم يعرفه أحد من الحفاظ السابقين ، إذ لا يمكن وصول حديث إلى لاحق من الرواة إلا عن طريق سابقه ،وبالتالي فما تحصل عليه اللاحق من حديث يجب أن يكون معروفًا عن سابقه وثابتًا عنه ، لا سيما إذا كان ذلك الشيخ من مشاهير الحفاظ ، وإلا فإن تفرده عنه بما لا يعرف عنه سابقًا ، أو مخالفته لما كان ثابتًا عنه يثير شكوكًا ، لاسيما إذا كان الحديث الذي تفرّد به ذلك الراوي المتأخر معروفًا عن السابقين بشكل آخر وبسياق مختلف ، كما وقع هنا في هذا المثال .
... ومن العلوم بدهيًا أن حالة المخالفة والتفرد تعد مؤشرًا رئيسًا على احتمال وقوع خطأ من صاحبها فيما تفرد به أن خالف فيه غيره ، وبما أن هاتين الحالتين تقعان في الرواية لأسباب مختلفة ، منها خطأ الراوي ، ووهمه ، ومنها كثرة تتبعه للأحاديث ،وضبطه له واتقانه ، وكثرة مجالسته مع شيخه ، فإن البحث عن السبب الذي أسفر عن المخالفة والتفرد أصبح ضروريًا لتصحيح تلك الرواية التي تفرّد بها الراوي أوخالف فيها غيره ، أو لتضعيفها ، ولا يكون هذا الأمر ميسرًا بالنسبة إلينا إلا إذا نص نقاد الحديث على تلك الأسباب التي تكون وراء التفرد أو المخالفة ، وقد لانحتاج إلى نصوصهم في مثل هذا التفرد والمخالفة التي نحن بصددها ، لمخالفته الواقع الحديثي المعروف عن الحفاظ السابقين .
... وقد أجاد الإمام ابن الصلاح حين أوضح هذه الحقيقة العلمية في نوع العلة ، وهو يقول:"ويستعان على إدراكها ( يعني العلة ) بتفرد الراوي ، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك ، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول ، أو وقف في المرفوع ، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك ، بحيث يغلب على ظنه ذلك ، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه ، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه" (1) .
... وما تحته الخط من هذا النص يضم أنواعًا ، كزيادة الثقة والشاذ والمنكر والمقلوب والمدرج والمصحف والمضطرب والمزيد في متصل الأسانيد بشكل واضح ، وذلك أن المخالفة بين الرواة تكون في صور أشار إليها ابن الصلاح آنفًا. وهي وصل المرسل ، ورفع الموقوف ، وتداخل الأحاديث ، وغير ذلك من الأوهام ، فإذا زاد راو - سواء أكان ثقة أم ضعيفًا - أسمًا أو كلمة أسقطها غيره من الرواة ، أو استبدل سياق الحديث أو قلب الإسناد أو غير ذلك تظهر بينهم حالة المخالفة والتفرد التي تشكل القاعدة الأساسية لمفهومي الشاذ والمنكر ، وربما تكون هذه المخالفة والتفرد نتيجة تصحيف أو إدراج أو قلب من أحد رواة الحديث ، وبالتالي أصبح هذا النص الذي ذكره ابن الصلاح في مبحث العلة شاملًا لجميع هذه الأنواع التي تشكل وحدة موضوعية لا تختلف أحكامها باختلاف تسميتها .
... إن تفاصيل الحكم بينها ابن الصلاح من خلال ذلك النص تتسم بغاية من الدقة ، إذ جعل حكم الحديث الذي يتفرد به الراوي الثقة أو خالف فيه غيره من الثقات دائرًا على القرائن المحيطة بذلك الحديث . ، وهذا بعينه منهج المحدثين النقاد في معالجة ظاهرة المخالفة والتفرد ، التي تشهدها أحاديث الثقات بقلة ، وأحاديث الضعفاء بكثرة ، ولذا فإن جميع الأنواع التي تشترك مع نوع"العلة"في نقطتي التفرد والمخالفة يجب أن يكون الحكم فيها دائرًا على القرائن وحدها ، وإذا لم تعرف القرائن بعد التتبع فيرجع الأمر إلى حالة الراوي ، ويكون الحكم وفقها ، وفي ضوء ذلك يمكن استخلاص حكم الحديث المخالف أو المتفرد بما يلي:
... إذا دلت القرينة على أن الراوي المخالف أو المتفرد كان واهمًا أو ناسيًا ، فتعد روايته معلولة ، سواء سميت شاذة أو منكرة أو مقلوبة أو مدرجة أو غير ذلك ، وأما إذا لم تدل القرينة على ذلك فإنها قد تكون صحيحة أو حسنة ؛ وذلك تبعًا لدلالة القرائن المحيطة بالحديث وقوتها ووضوحها لدى النقاد دون غيرهم .
... ومن الجدير بالذكر أن المخالفة والتفرد تختلف أبعادهما سلبًا وإيجابًا من حديث لآخر ،وليس لها حكم واحد ، بل يتوقف على القرائن المحتفة بها ، ولا يكون في متناول الجميع فهم تلك القرائن وفهم أبعادها باستثناء نقاد الحديث ، كما أشار إليه ابن الصلاح حين قال:"مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن"، ويعني بالعارف بهذا الشأن ناقد الحديث دون غيره .
... فعلى منهج النقاد فإن ظواهر الإسناد لا يعول عليها في التصحيح والتضعيف إلا بعد التأكد من أنتفاء القرائن والملابسات التي يمكن أن تحيط بذلك الإسناد . ولذا فإن معرفة صحة الحديث وضعفه ومدى قبوله وخطئه تكون متوقفة على الحفظ والفهم والمعرفة سواء في حالة اعتماد القرائن أو في حالة اعتماد الظواهر ؛ فإن القرائن غير محصورة بضوابط معينة ، بل لكل حديث قرينة وملابسات خاصة ، كما صرح بذلك بعض حفاظ المتأخرين أمثال ابن رجب والعلائي وابن حجر وغيرهم (رحمهم الله تعالى جميعًا ) .
... وأما الرجوع المباشر إلى أحوال الرواة العامة في تصحيح الحديث وتعليله ، دون تتبع الملابسات ، ودراسة القرائن التي يمكن أن تحيط به فعمل استروح إليه كثير من المتأخرين والمعاصرين مع أنهم يحسون يقين أن الإحاطة الشاملة بالعلل ، أو التأكد من انتفائها كانت من خصائص النقاد المتقدمين ، وأن ذلك كله ضروري لنقد الحديث تصحيحًا وتضعيفًا ، الأمر الذي جعل علم العلل أدق أنواع علوم الحديث ، وأصعبها مسلكًا .
... ولذلك نقول إن اعتماد الأصل في حال الراوي ، والحكم على حديثه حسبت مرتبته في الجرح والتعديل إنما هو بعد تتبع ما يمكن أن يحيط به من القرائن والملابسات ، وبعد التأكد من انتفائها ، ولذلك فإن هذا العمل النقدي لا يستطيع النهوض به سوى الناقد الجهبذ ،وأما من الباحث العادي الذي لا يعرف نوعية المرجحات ولا يفهم دلالة الملابسات والقرائن ، أو لا يبالي بها إن ذكرت منصوصًا عليها ، فيعد ذلك خرقًا وتقصيرًا ، بل مجازفة خطيرة ، يجب علاجها منهجيًا مع الإخلاص والإنصاف ، دون شغب وتجريح وعجب وغرور .
... وفي ضوء هذا الواقع العلمي فإن الحديث الذي نحن بصدده قد ضعفه الحاكم والبيهقي وغيرهما بناء على القرائن المحتفة به ، لكن من المتأخرين من رفض هذا التضعيف كالحافظ مغلطاي ،حين قال:"لا بأس بسنده"،ومنهم من صححه ، كالشيخ محمد عابد السندي والشيخ محمد عبد الرشيد النعماني ، بناء على ثقة الراوي ، دون أن يأخذوا بعين الاعتبار ما ألمح النقاد إليه من القرائن الدالة على أن الزيادة الواردة في حديث الخراز خطأ ووهم وباطل ، فكان تصحيحهم لهذه الزيادة نموذجًا لمنهج الفقهاء المتأخرين في التصحيح والتضعيف الذي أوضحه ابن دقيق العيد وغيره من الأئمة ، وأن هذا المنهج غير مقبول ، ولا يسلم لهم ذلك ، كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر والسخاوي وغيرهما ، كما سبق في مقدمة هذا الكتاب وما بعدها من المباحث .
... وعلى الرغم من توضيح الشيخ الألباني ما يكمن وراء حديث عبد الله بن عون الخراز من أسباب بطلانه فإنني آثرت إيراد هذا المثال ضمن أمثلة الموازنة ، وذلك لأؤكد مرة أخرى أن عملية التصحيح والتعليل بناء على نظر سطحي في ظواهر السند ، ومراتب الرواة في الجرح والتعديل ، تبلورت في مرحلة ما بعد الرواية كمنهج يزاحم منهج النقاد الأوائل الذي يعتمد على القرائن والملابسات بغض النظر عن ظواهر السند اللافتة .
... ولهذا أكرر قولي: بأن من كان عمله على اعتبار ظواهر السند في التصحيح والتضعيف فهو على منهج المتأخرين ، حتى وإن كان في عصر الرواية ،ومن كان اعتماده في ذلك القرائن فهو على منهج المتقدمين ، حتى وإن كان من المعاصرين ، وبالتالي فالذي نصل إليه هو أن تفريقنا بين المتقدمين والمتأخرين في قسمي علوم الحديث النظري والتطبيقي تفريق منهجي لا زمني ، ولست أدعو إلى تقليد المتقدمين وقبول أقوالهم لمجرد كونهم متقدمين ، ولا إلى رفض موقف المتأخرين لكونهم متأخرين ، كلا، بل لدقة المنهج الذي انتهجه النقاد الأوائل في التصحيح والتضعيف ،وضرورة تسليم ذلك لهم .
... وقد شرحنا في القسم الأول من الكتاب أن نقاد الحديث القدامى هم المرجعية الوحيدة في معرفة صحة الحديث وخطئه ، لكونهم أهل تخصص وأصحاب ملكة وأرباب ذوق في الحديث ، وقد أقرّ بذلك الفقهاء المتأخرون أنفسهم ،ولم تكن هذه الملكة الحديثية المكتسبة من خلال الممارسة والمعايشة والاحتكاك بالحديث رواية ودراية موضع منازعة الآخرين ، ولذا لن يكون من الإنصاف العلمي أن ندمج في سلك النقاد الأوائل من ليس منهم ،وإن كان إمامًا بارعًا ومحترمًا في مجالات أخرى ،ولا أن يقال إن لكل إمام منهجًا خاصًا في التصحيح والتضعيف ،ولنا حرية الاختيار فيما بينهم .
... وإن كانت هذه القضايا قد سبق ذكرها في بعض أبحاثي حول زيادة الثقة فإن إعادتها هنا كانت ضرورية لإجراء الموازنة بين من صحح هذا الحديث وبين من ضعفه ، نظرًا لما اتسم به بعض المواقف من خلط ونكص ، سامح الله صاحبها ، وغفر له .
(1) ابن الصلاح ، علوم الحديث (المشهور بمقدمة ابن الصلاح ) ص: 90 ، وكذا في بقية كتب المصطلح وإن كان فيما بينها بعض التفاوت في السياق فإن المعنى واحد ، انظر على سبيل المثال كتاب المقنع 1/211 -212 ، فتح المغيث للسخاوي 1/210-211 ، وتوضيح الأفكار للصنعاني 2/22- 23 ، وتدريب الراوي للسيوطي 1/135.