قول الشيخ الألباني في بيان علة حديث الخراز
... وبعد فأنقل أولًا كلام الشيخ الألباني - رحمه الله عليه - وهذا نصه بتصرف:
... حديث ( كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود ) باطل موضوع ، رواه البيهقي في الخلافيات من حديث محمد بن غالب حدثنا أحمد بن محمد البرتي ، حدثنيا عبد الله بن عون حدثنا مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر مرفوعًا .
... قلت: (القائل الشيخ ) وهذا سند ظاهره الجودة ، وقد اغتر به بعض الحنفية ، فقال الحافظ مغلطاي: لا بأس بسنده ، ولا أدري كيف يقول بذلك مثل هذا الحافظ مع اشتهار الحديث في الصحيحين والسنن الأربعة ، والمسانيد عن مالك بإسناده المذكور عن ابن عمر برفع اليدين في الركوع أيضًا ، لاسيما وقد نبّه على ذلك مخرجه البيهقي وشيخه الحاكم فقالا: هذا باطل موضوع ، لا يجوز أن يذكر إلا على سبيل التعجب والقدح فيه ، فقد روينا بالأسانيد الزاهرة عن مالك خلاف هذا"."
... ثم نقل الشيخ قول بعض المعارضين لهذا التعليل وقال:
..."تضعيف الحديث لا يثبت بمجرد الحكم ، وإنما يثبت ببيان وجود الطعن ، وحديث ابن عمر هذا رجاله رجال الصحيح ، فما أرى له ضعفًا بعد ذلك ، اللهم إلا أن يكون الراوي عن مالك مطعونًا ، لكن الأصل العدم ، فهذا الحديث عندي صحيح لا محالة".
... ورد عليه الشيخ الألباني بما خلاصته:
..."أن الحديث لا يعد صحيحًا إلا إذا توفر فيه ما ورد في تعريف الصحيح من الشروط ، ومن أهمها خلو الحديث من شذوذ وعلة ، وقد أشار الحاكم والبيهقي إلى أن الحديث لم يسلم من الشذوذ ،وذلك قولهما: فقد روينا بالأسانيد الزاهرة عن مالك خلاف هذا".
..."والحاكم والبيهقي لم يحكما على الحديث بالبطلان بمجرد الدعوى ، كما زعم المعارض ، بل قرنا ذلك بالدليل لمن يريد أن يفهم ،وهو الشذوذ، على أن هناك أدلة أخرى تؤيد الحكم المذكور على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى".
..."ولم لم يكن ثمة دليل على بطلان الحديث إلا وروده في كتاب الإمام مالك (الموطأ1/97) على خلاف هذه اللفظ لكفى ، فكيف وقد رواه جمع كثير من المصنفين والرواة عن مالك على خلافه ؟".
... وبعد تخريج رواياتهم عن مالك ، قال الشيخ:
..."والواقع أن الحديث بهذا اللفظ ( يعني المثبت لرفع اليدين في الصلاة ) المخالف لهذا الحديث الباطل متواتر عن مالك رحمه الله، فقد سرد ابن عبد البر أسماء من رواه عن مالك من الرواة ، فجاء عددهم نحو الثلاثين ، وقد وافقه أي مالكًا جماعة من الثقات في روايته عن ابن شهاب به ."
... وبعد أن أورد رواية نافع عن ابن عمر مع تخريجها قال الشيخ:
..."إذا عرف هذا فهذه الروايات والطرق الصحيحة عن ابن عمر رضي الله عنه تدل على بطلان هذا الحديث من وجوه:"
... الأول: ما أشار إليه الحاكم والبيهقي من مخالفة راوية عن مالك لجميع من رواه عنه من الثقات على خلاف هذا الحديث ، وإثبات الرفع الذي نفاه ، لا سيما وقد بلغ عددهم مبلغ التواتر كما سبق ،ومخالفة الفرد لأقل منهم بكثير يجعل حديثه شاذًا مردودًا عند أهل العلم ، فكيف وهم جمع غفير ؟
... الثاني: أن مالكًا رحمه الله لو كان عنده علم بهذا الحديث المنسوب إليه لرواه في كتابه الموطأ وعمل به ،وكل من الأمرين منفي ، أما الأول: فلما سبق بيانه أن روى فيه الحديث المخالف له بسنده هذا ، والآخر أنه عمل بخلافه ، وقال بمشروعية الرفع بعد الرفع في تكبيرة الإحرام ، كما حكاه عنه الترمذي في سننه ( 2/37) ، ولم يحك عنه خلافه ، ونقل الخطابي والقرطبي أنه آخر قولي مالك وأصحهما كما في الفتح (2/174 ) .
... الثالث: أن ابن عمر رضي الله عنه كان يحافظ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على الرفع المذكور كما سبق ذلك عنه صريحًا ، فلو كان هذا الحديث ثابتًا عنه لما رفع ، وهو من أحرص أصحابه صلى الله عليه وسلم على اتباعه كما هو معلوم وكيف لا وقد صحّ عنه أنه كان إذا رأى رجلًا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى ، أخرجه البخاري في ( رفع اليدين ص8) ، وعبد الله بن الإمام أحمد في ( مسائله عن أبيه ) ،والدارقطني (108) بسند صحيح .
... الرابع: أن الذي روى هذا الحديث عن ابن عمر إنما هو سالم ابنه - فيما زعموا- ومن الثابت عنه أنه كان يرفع يديه أيضًا كما حكاه الترمذي أيضًا عنه ، وسبق ذلك في بعض الروايات عنه ، فلو كان هذا الحديث مما رواه عن أبيه حقًا لما خالفه أصلًا ، كما هو ظاهر .
... فدل ذلك كله على صحة قول الحاكم والبيهقي في الحديث: إنه باطل ، وأن قول الشيخ النعماني:"فهذا الحديث عندي صحيح لا محالة"محال!"."
... ثم قال الشيخ ردًا على بعض من صحح حديث عبد الله بن عون عن طريق الجمع والتجويز العقلي:
..."ومما سبق تعلم بطلان قول الشيخ المذكور عقب جملته المذكورة ( وغاية ما يقال فيه: أن ابن عمر رأى النبي صلى الله عليه وسلم حينًا يرفع ، فأخبر عن تلك الحالة ، وأحيانًا لا يرفع ، وأخبر عن تلك الحالة ،وليس في كل من حديثه ما يفيد الدوام والاستمرار على شيء معين منهما ، لفظ كان لا يفيد الدوام إلا على سبيل الغالب ) ".
..."قلت: هذا الجمع بين الروايتين باطل أيضًا ، لأن الشرط في الجمع إنما هو ثبوت الروايتين ، أما وإحداهما صحيحة ، والأخرى باطلة ، فلا يجوز الجمع حينئذ ، وكيف يعقل أن الراوي الواحد يقول مرة: كان لا يرفع ، وأخرى: كان يرفع ،ولا يجمع هو نفسه بينهما في عبارة واحدة ولو مرة واحدة ؟هذا مما لا نعرف له مثيلًا في شيء من الأحاديث" (1) انتهى قول الشيخ ناصر الألباني (رحمة الله عليه ) .
(1) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 2/ 346 .