فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 113

أولًا: يقول الزيلعي بعد أن ساق حديث ابن مسعود"ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فصلى ، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة"من طريق سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة:

"اعترض على هذه الحديث بأمور ؛ منها: ما رواه الترمذي بسنده عن ابن المبارك قال: لم يثبت عندي حديث ابن مسعود: أنه عليه السلام لم يرفع يديه إلا في أول مرة ، وثبت حديث ابن عمر أنه رفع عند الركوع وعند الرفع من الركوع ، وعند القيام من الركعتين"

وهذا يدل بصراحة على أن ابن المبارك إنما أعلّ الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه ، وفيه فعل ابن مسعود محاكيًا فعل النبي صلى الله عليه وسلم .

ثانيًا: يقول ابن القطان الفاسي: ذكر الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: حديث وكيع لا يصح ، والذي عندي أنه صحيح ، وإنما النكر فيه على وكيع زيادة ثم لا يعود .

ثم عقبه الزيلعي ،وقال: قد تابع وكيعًا على هذه اللفظة عبد الله بن المبارك كما رواه النسائي .

وهذا واضح أيضًا أن الحديث الذي أعله ابن المبارك هو الحديث الذي سبق ذكره في مستهل كلام الزيلعي ، وهو الذي بعينه رواه ابن المبارك كما في سنن النسائي (1) .

ثالثًا: يقول البخاري: ويروى عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب ، فذكره بسنده ومتنه ، قال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم: نظرت في كتاب عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب ، فلم أجد فيه ثم لم يعد ، قال البخاري: وهذا أصح ؛ لأن الكتاب أثبت عند أهل العلم . وقال الزيلعي:"فجعل الوهم فيه من سفيان".

وهذا أيضًا دليل على أن البخاري وأحمد ويحيى بن آدم جميعهم أعلنوا ذلك الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه .

رابعًا: يقول ابن أ[ي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قام فكبر فرفع يديه ، ثم لم يعد ، فقال أبي: هذا خطأ ، يقال: وهم فيه الثوري ، فقد رواه جماعة عن عاصم ، وقالوا كلهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح فرفع يديه ثم ركع فطبق ، فجعلهما بين ركبتيه ، ولم يقل أحد ما روى الثوري"ثم تعقبه الزيلعي وقال:"فالبخاري وأبو حاتم جعلا الوهم فيه من سفيان ،وابن القطان وغيرهم يجعلون الوهم من وكيع .

وهذا دليل واضح على أن الذي أعله أبوحاتم هو الحديث الذي أورده الزيلعي في مستهل كلامه ، وهو الذي رواه الترمذي وحسنه. وإن كان اللفظ الذي ذكره ابن أبي حاتم مغايرًا لسياق ذلك الحديث فإن ذلك لا يعنى أنه أراد بسؤاله هذه اللفظ فحسب ، لأنه أورده مختصرًا لغرض سؤاله لأبيه عنه كعادته في الكتاب ، وهو الذي وقع بعينه من ابن المبارك سابقًا ، وهذا التغاير بين الروايات لحديث سفيان لا يعني بالضرورة تعدد القصة ، وأن سفيان قد حدّث بها جميعًا في أوقات مختلفة ،وللنقاد في معالجة ذلك منهج علمي واضح يقوم على خلفية حديثية واسعة يتميزون بها عن الآخرين .

ومن هنا نقول إن العقل المجرب في مجال ما ،غير الحديث والرواية لا يكون متأهلًا لمزاحمة صفوف النقاد أصحاب العقول المجربة في الحديث ،وإلا ستكون العواقب خطيرة ، حيث تؤدي إلى طمس معالم النقد عند المحدثين النقاد تدريجيًا ،و ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله .

وبما أن الفقهاء المتأخرين أئمة في مجال الفقه دون نزاع ، فلا يعني بذلك أنهم أئمة في الحديث ، يملكون منهجًا في التصحيح والتضعيف يوازي منهج المحدثين النقاد الأوائل في ذلك ، بحيث يسمح للأحقين بحرية الاختيار بينهما ، كلا ، ثم كلا ، فلكل علم أسرار وخصائص ومصطلحات لا يعرفها إلا أصحابه المجربون في ذلك العلم .

وعلى هذا الأساس أعل النقاد قاطبة حديث سفيان عن عاصم كلمة:"فلم يرفع يديه إلا في أول مرة"،وفي طليعتهم ابن المبارك ، الذي لم يروِ الحديث عن سفيان إلا بالسياق الذي رواه الترمذي وحسنه ، وهو حكايته بصلاة ابن مسعود صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا قال ابن المبارك:"قد ثبت حديث من يرفع يديه ، وذكر حديث الزهري عن سالم عن أبيه ، ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم: لم يرفع يديه إلا في أول مرة" (2) حيث جعل حديث ابن مسعود النافي لرفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام بمقابل حديث ابن عمر المثبت رفع اليدين .

واتضح من سياق هذا النص قصد ابن المبارك هو الترجيح بين الرواية النافية لرفع اليدين وبين المثبته له ، عمومًا ،ومن اجل هذا أشار إلى حديث ابن مسعود وابن عمر بسياق مختصر . وبالتالي لا يفهم من هذا الاختصار أنه أراد بالتعليل اللفظ الذي ذكره مختصرًا فقط ، مع أن حديث"أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع يديه إلا في أول مرة"لم يعرف بهذا اللفظ عن سفيان أصلًا ،ولا عن أصحابه: وكيع وابن المبارك وغيرهما . كما رأينا في النص نفسه كيف ساق ابن المبارك حديث ابن عمر مختصرًا كذلك اختصر حديث ابن مسعود.

هذا كله إذا سلمنا بوجود تفاوت في المعنى بين اللفظ الذي ساقه ابن المبارك عند التعليل وبين اللفظ الذي رواه عن سفيان ،وفي الواقع أنه لا يوجد تفاوت أصلًا ، لأن ابن مسعود كان يعلم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي لم يرفع فيها اليدين إلا في تكبيرة الإحرام ،ويبين لهم أن هذه هي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا معناه أنه عليه السلام لم يرفع يديه إلا في أول مرة ، كما جاء عن ابن المبارك عند التعليل .

ألا ترى أن الإمام الترمذي قد عنون لحديث ابن مسعود هذا بقوله:"باب ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع إلا في أول مرة"،وهو الذي ذكره ابن المبارك معلقًا ، وهذا يعني أن الذي ذكره ابن المبارك معلقًا عند التعليل هو مختصر مما رواه الترمذي وحسنه .

وإذا كان المعلق قد فهم من صنيع الترمذي وجود فرق بين الذي أعله ابن المبارك وبين الذي رواه الترمذي وحسنه ليصف أهل الحديث بأنهم قد وقعوا في مغلطة ، فإن صنيع الترمذي هذا في تبويب لحديث ابن مسعود واضحًا على أن المعلق هو الذي وقع في مغلطة ، وليس أهل الحديث .

وفي الواقع أن ما ذكره المعلق من التأويل ليفرض وجود تفاوت بين الروايتين بالشكل الذي شرحه ،وهو أن هذا الحديث الذي يحكي فعل النبي صلى الله عليه وسلم قولًا يدل على السلب الكلي المناقض للإيجاب الجزئي الذي يثبته حديث ابن عمر ، ثم يزعم أن ابن المبارك إنما أراد بالتعليل حديث"أنه عليه السلام لم يرفع يديه إلا في أول مرة"، دون اللفظ الذي كان يرويه هو عن سفيان ، قبل أن يتحقق من مدى ثبوت روايته به ، يعد كل ذلك تكلفًا واضحًا لا يحتمله الواقع ، وخروجًا عن منهج الأئمة النقاد ،وقد سبق أنه لم يرو الحديث أحد بهذا اللفظ ، وإنما هو اختصار من ابن المبارك لما سمعه من سفيان من حديث ابن مسعود ، ومن المعلوم أنه لا يلزم من وجود تفاوت ما في اللفظ أو المعنى تعدد الحديث ، لاحتمال كونه مرويًا بالمعنى . وهذه ظاهرة أخرى نراها لدى كثير من المعاصرين في رفض كلام النقاد وتصحيح ما أعلوه من الأحاديث .

ولو فرضنا جدلًا أن ابن المبارك لم يقصد بالتعليل ما كان يرويه عن سفيان من حديث ابن مسعود"ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم…"، وإنما قصد فقط حديث"أنه عليه السلام لم يرفع يديه إلا في أول مرة"الذي أورده هو معلقًا ، فماذا يقول المعلق عن تعليل النقاد: البخاري وأبي داود وأبي حاتم والدارقطني وغيرهم حديث سفيان بلفظ"ألا أصلي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم…"وقد صرحوا بذلك ؟

بهذا يتبين بجلاء أن ما ذكره المعلق فيه تكلف واضح ينبذه الواقع العلمي ، وانه غير متسق على النهج السليم في تصحيح الأحاديث وتعليلها ، وليس كما زعم هو ( غفر الله لنا وله ) أن أهل الحديث وقعوا في مغلطة حين حملوا قول ابن المبارك على الحديث الذي رواه هو عن سفيان بلفظ:"ألا أصلي بكرم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم …"،وأنهم لم يعطوا النظر حقه ، وقد رأينا سابقًا أن الإمام الزيلعي والشيخ ابن دقيق العيد وابن القطان الفاسي والمنذري كلهم فهموا أن حديث سفيان بلفظ"ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم…"هو الذي أعله النقاد ، وفي طليعتهم ابن المبارك ، وذلك لتضمنه كلمة"ثم لم يعد"،وأن هذه الكلمة كانت مدرجة في الحديث خطأ ووهمًا من سفيان ، وأن الحديث الذي رواه عاصم إنما هو في موضوع التطبيق ، وليس كما جعله سفيان في موضوع ترك رفع اليدين ، والله أعلم .

وفي قول المعلق ملاحظات أخرى ، يحسن بي أن أسجلها هنا على وجه السرعة ، فقوله:"فلهذه النكتة أورده الترمذي عقيب حديث ابن عمر ، وضعفه ، ولم يورده بعد حديث ابن مسعود الذي رواه من فعله"أقول: إن الترمذي لم يباشر بتضعيفه بشيء ، ثم روى ذلك الحديث تحت باب"من لم يرفع يديه إلا في أول مرة"،ولذا فلا داعي لتضعيف الحديث مرة أخرى ، ومن عادته في السنن أن يروي بعض ما علقه من الأحاديث أو أشار إليه بقوله"وفي الباب عن فلان وفلان"، في باب لاحق أو في الباب نفسه .

وقول المعلق"إن حديث ابن مسعود هذا ثابت عند الترمذي"لعله فهم ذلك من قول الإمام الترمذي ،"حديث ابن مسعود حديث حسن"،وفي هذا نظر ؛ لأن الإمام الترمذي يقصد بالتحسين إزالة الغرابة عن متن الحديث فقط ، بغض النظر عن مدى صحته عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني بذلك أن المتن ليس فيه شذوذ ولا غرابة لكونه معروفًا بوجود شواهد تتمثل إما في رواية أو عمل أو قول لبعض الصحابة والتابعين ، وإن لم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم رواية.

ولذلك نرى الإمام الترمذي يعلل الحديث كثيرًا من حيث روايته مرفوعًا ، ويبين خطأ الراوي فيها ، ثم يحسن متنه ، كما وجدنا في هذا الحديث ، حيث نقل تعليل ابن المبارك له دون تعقيب عليه ، بحيث يشير بذلك إلى أن الحديث لم يثبت عنده مرفوعًا ، ثم بعد ذلك حسنه بقوله:"حديث ابن مسعود حديث حسن"، مع لفت الإنتباه إلى وجه ذلك التحسين ، بقوله:"وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة"

ولذلك لا يلزم من تحسين الترمذي حديثًا ما أنه ثابت عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما لا يلزم من ذلك الإحتجاج به ، إلا إذا سلمت الرواية من علة ، أو لم يتبين وجه العلة فيها ، وفي هاتين الحالتين يصبح الحديث صالحًا للاحتجاج ، غير أن في الحالة الأولى التي يطمئن فيها شعور النقاد إلى سلامة الرواية من خطأ ووهم يكون الحديث فيها صحيحًا ،ويقول فيه:"حسن صحيح"وإن كان الراوي ضعيفًا ، وقد فهمنا ذلك من خلال تتبع أمثلة كثيرة في سنن الترمذي ، وسنذكرها مفصلة في بحث آخر مستقل ، إن شاء الله تعالى ، هذا وقد ذهب إلى ذلك ابن القطان الفاسي ، ومال إلى ترجيحه الحافظ بن حجر (3) .

(1) سنن النسائي في الصلاة ، باب ترك ذلك ( أي رفع اليدين … ) برقم ( 1026 ) 195.

(2) سنن الترمذي 2/37-39 .

(3) سبق هذا الموضوع بشيء من التفصيل في مبحث تقوية الحديث الضعيف بالمتابعات والشواهد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت