فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 113

التعقيب على قول المعلق

ثانيًا: قول المعلق بأن قول ابن المبارك هذا أوقع كثيرًا من أهل الحديث في مغلطة ، وظنوا أن حديث ابن مسعود الذي رواه الترمذي وحسنه هو الذي قال فيه ابن المبارك"لم يثبت"، وهذا ليس بصحيح … إلى آخر قوله .

أقول: يحاول المعلق - من خلال زعمه بأن الحديث الذي حسنه الترمذي هو غير الحديث الذي أعله ابن المبارك ، وأن بينهما بونًا بائنًا - أن يبرهن على أن أهل الحديث قد وقعوا في مغلطة حين حملوا تعليل ابن المبارك على الحديث الذي حسنه الترمذي .

وقبل أن أتطرق لمناقشة المعلق فيما يزعمه يكون من المفيد أن أنقل هنا نص الإمام الترمذي في هذه المسألة ، وهذا نصه:

"1- … حديث ابن عمر حديث حسن صحيح ، …"

2-وقال عبد الله بن المبارك: قد ثبت حديث من يرفع يديه ، وذكر حديث الزهري عن سالم عن أبيه .

ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم: لم يرفع يديه إلا في أول مرة" (1) ."

ثم ذكر الإمام الترمذي:

"باب ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع إلا في أول مرة."

حدثنا هناد حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ( ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فلم يرفع يديه إلا في أول مرة ) .

قال: حديث ابن مسعود حديث حسن .

وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة (2) اهـ .

وكان المعلق قد ارتكز في تفريقه بين الحديث الذي حسنه الترمذي ،وهو في رقم (5) وبين الحديث الذي أعله ابن المبارك ،وهو في رقم (3) على أمرين:

الأمر الأول: أن الإمام الترمذي نقل عن ابن المبارك تعليله للحديث الذي نص عليه بلفظ:"إنه عليه السلام لم يرفع يديه إلا في أول مرة"كما في رقم (3) بعد ذكر حديث ابن عمر ، ثم روى حديث ابن مسعود متصلًا بلفظ:"ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فصلى ، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة"تحت باب"ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع إلا في أول مرة"كما في رقمي: ( 4 ) و (5) .وجاء المعلق ليفهم من هذا الصنيع في سنن الترمذي أن ابن المبارك لم يعل حديث ابن مسعود في رقم ( 4 ) ، وإنما أعل الحديث الذي ذكره هو معلقًا في رقم (3) .

ولعل سبب هذا الفهم هو: أن ابن المبارك لو أراد بالتعليل هذا الحديث الذي رواه الترمذي متصلًا تحت باب مستقل ، لنقل فيه التعليل ، بل ذهب الإمام الترمذي إلى تحسينه ،ومعنى هذا عند المعلق أن الحديث رقم (4) يراه الترمذي ثابتًا ، وما في رقم (3) يراه ضعيفًا ،وبالتالي يكون الحديث الذي أعله ابن المبارك غير الذي حسنه الترمذي .

والأمر الثاني: وجود تفاوت في اللفظ وتغاير في المعنى بين الحديثين ؛ إذ إن الحديث الذي ذكره ابن المبارك معلقًا ،وهو:"إنه عليه السلام لم يرفع يديه إلا في أول مرة"يفيد السلب الكلي لرفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام ، بحيث يناقض حديث ابن عمر:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ويقول سمع الله لمن حمده ولا يفعل ذلك في السجود" (3) . وهذا الحديث يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام ،وهو ما وصفه المعلق بالإيجاب الجزئي . ولوجود التناقض بين هذين الحديثين أعل ابن المبارك من حديث ابن مسعود ما يفيد السلب الكلي ، دون غيره .

وأما الحديث الذي ذكره الترمذي متصلًا تحت باب مستقل كما في رقم (5) فيرى المعلق أنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ ليس فيه ما يناقض حديث ابن عمر ،وبالتالي يجوز الجمع بينهما بأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد رفع يديه في غير تكبيرة الإحرام في بعض صلواته ،وقد تركه في أخرى لبيان جواز الحالتين جميعًا .

وهذا كما ترى تجويز عقلي مجرد عن مراعاة الواقع الحديثي ،وملابسات الرواية ،وأنه غير مبني على أسس علمية سليمة ،وكل ما في الأمر اعتبار حديث ابن عمر ليس نصًا صريحًا في أن ذلك الرفع كان في جميع صلواته صلى الله عليه وسلم ، وأنه لا يناقضه لفظ الحديث الذي حسنه الترمذي ، وبالتالي يكون الحديثان صحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ،وهذا هو منهج المعلق .

ومن المعلوم أن إمكانية الجمع بين الأحاديث المختلفة لا تعد دائمًا مقياسًا لمعرفة ثبوتها جميعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ،ولا عن أي مصدر اختلف عليه الرواة في حديثه ، بل يكون ثبوتها وعدمه على ضوء ما تدل عليه القرائن والملابسات التي تحيط بها ،وهذا أمر يجب أخذه بعين الاعتبار عند التصحيح والتضعيف ،وإلا سيؤدي إلى عواقب خطيرة نظرًا إلى مكانة السنة النبوية ، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم .

ولا أدري من يقصد المعلق بكلمة:"أهل الحديث"؛ نقاد الحديث أو المشتغلين بالحديث من المعاصرين . وكيف يستقيم صنيعه في جعل حديث سفيان حديثين مستقلين ، لمجرد وجود تفاوت بينهما في اللفظ والمعنى مع أن مدارهما واحد . وسيأتي ما يثبت أن الحديث الذي أعله ابن المبارك هو الحديث الذي رواه هو ووكيع وغيرهما عن سفيان ، وهو الذي بعينه حسنه الترمذي في سننه ، وأن ابن المبارك إنما ساقه مختصرًا لغرض تعليله ، كعادة النقاد، وأنه لا يعني أن ابن مسعود حدث مرة بهذا اللفظ ،وأخرى بذلك اللفظ .

وكان المعلق قد زعم في قوله السابق أن الحديث الذي أعله ابن المبارك رواه الطحاوي في شرح الآثار ،والدارقطني وغيرهما ، ولفظه عند الدارقطني عن عبد الله ، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ، فلم يرفعوا أيديهم إلا عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة"."

قلت: إن الطحاوي رواه عن ابن أبي داود عن نعيم بن حماد عن وكيع عن سفيان عن عاصم بن كليب عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم"أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود" (4) ، وبما أن هذا الحديث يحتمل أن يكون قد رواه ابن أبي داود أو شيخه نعيم بن حماد بمعنى حديث سفيان:"ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فصلى ، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة"، فلا ينبغي أن يفهم من ذلك أن سفيان قد حدث بهذا مرة ،وأخرى بذاك.

وهذا لا صلة له بحديث سفيان ، الذي نحن بصدده ، لاختلاف مصدرهما ، وإذا كان مصدر هذا الحديث هو حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم فإن مصدر ذلك الحديث هو سفيان عن عاصم ،وبالتالي يعد حديث محمد بن جابر حديثًا آخر مستقلًا لا يتصل بحديث سفيان لاختلاف المصدر .

ومع ذلك فإن حديث محمد بن جابر خطأ ووهم ، فهو غير ثابت أصلًا عن ابن مسعود ؛ فقد قال الدارقطني:"تفرد به محمد بن جابر ، وكان ضعيفًا ، عن حماد عن إبراهيم ،وغير حماد يرويه مرسلًا عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب (5) . وكذا نقله عنه البيهقي (6) ."

وقال عبد الله بن أحمد في العلل (7) : ذكرت لأبي: حديث محمد بن جابر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله في الرفع ؟ فقال:ابن جابر أيش حديثه ! هذا حديث منكر .أنكره جدًا .

وليس من المنهج العلمي أن يعد حديث سفيان حديثين ، وأنه قد حدّث بهما جميعًا ، بوجود تفاوت بين لفظ ابن أبي داود عن نعيم عن وكيع عن سفيان ، وبين ما رواه الثقات عن وكيع عن سفيان ، لجواز أن يكون ابن أبي داود أو شيخه نعيم بن حماد قد ساق هذا اللفظ من عنده ، لا سيما في حالة مخالفته جماعة من الثقات من أصحاب وكيع ،وكذا أصحاب سفيان أيضًا ، ولو حدث سفيان بهذين الوجهين لكان أصحابه أولى بروايتهما ، أو من هو أكثر ملازمة له ، وأما أن يكون ذلك اللفظ معلومًا عند تلميذ تلميذ سفيان أوعند الراوي الذي بعده ن دون أن يعلم به أحد من أصحابه فغير معقول .

ولمزيد من التوضيح لما زعمه المعلق أذكر هنا اختلاف الألفاظ في حديث سفيان ، وهي كالأتي:

"ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فصلى ، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة".

"إنه عليه السلام كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود"

"إنه عليه السلام لم يرفع يديه إلا في أول مرة".

ويزعم المعلق أن هذه الألفاظ بينها تناقض ، حيث إن اللفظ الأخير صريح على أنه نفي كلي لرفع النبي صلى الله عليه وسلم اليدين في غير تكبيرة الإحرام ، ويقاربه اللفظ الثاني في إفادة النفي الكلي ، بينما يكون اللفظ الأول لا يفيد بظاهرة هذا السلب الكلي ، بل يفيد النفي الجزئي فقط ، وإنما أعلّ ابن المبارك اللفظ الثالث وحده للتناقض بين اللفظ الأخير وبين حديث ابن عمر ، وأما اللفظ الأول فلم يعله لأنه لم يناقض حديث ابن عمر .

وهذا من المعلق عمل غريب لا يقره المنهج السليم في نقد الحديث ، إذ هذه الألفاظ كلها تدور على سفيان الثوري ،ومن المعلوم أن المغايرة بين ألفاظ الحديث لا تعني بالضرورة تعدد الحديث وتعدد الرواية ، لاحتمال أن يكون الحديث مرويًا بالمعنى من قبل بعض الرواة اللاحقين . هذا ولم يرو أحد - حسب معرفتي - حديث ابن مسعود بلفظ الحديث الثالث ، وإنما جاء مختصرًا فقط في قول ابن المبارك حين ذكر العلة ، وفي تبويب الترمذي .

وإن كان أسلوب المعلق هو اعتبار تعدد الروايات لمجرد وجود تفاوت بين ألفاظها فإنه لا يتم له أن يجعل الحديث الثالث والثاني شيئًا واحدًا ، حين قال المعلق:"ولفظه ( يعني الحديث الثالث ) عند الطحاوي: أنه عليه السلام كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود ، وهذا الحديث هو الذي يحكي فعل النبي صلى الله عليه وسلم قولًا يدل على السلب الكلي المناقض للإيجاب الجزئي الذي يثبته حديث ابن عمر ،وهذا الحديث رواه الطحاوي في شرح الآثار".

وذلك لوجود تفاوت بينهما ، مع أن اللفظ يكون أقرب إلى اللفظ الأول من الثالث ، لأنه لا يفيد السلب الكلي كما يدل عليه الثالث ، إلا أن الأول كان بالفعل ،والثاني بالقول .

وفي الحقيقة أن الذي أعله ابن المبارك هو حديث سفيان بلفظ"ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فصلى ، فلم يرفع يديه إلا في أول مرة"، وأنه حين أعله ساقه مختصرًا ، وهذا كل شيء فيما يخص تعليل ابن المبارك ،ولذا نرى النقاد: كالبخاري وأبي داود وأبي حاتم وغيرهم ، يعلون حديث ابن مسعود الذي حسنه الترمذي بحيث يزيل الغموض الذي وقع في تعليل ابن المبارك لذلك الحديث ، ثم إن ابن القطان الفاسي والشيخ ابن دقيق العيد والزيلعي يعتقدون أن الحديث الذي أعله ابن المبارك إنما هو الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه ، بخلاف ما فهمه المعلق تمامًا ، كما يتضح ذلك من النصوص التي أوردها في نصب الراية ، وأسردها فيما يلي:

(1) سنن الترمذي 2/37- 39 .

(2) سنن الترمذي 2/39 -42 .

(3) البخاري في الصلاة ، باب رفع اليدين إذا كبّر وإذا ركع وإذا رفع ، برقم (736 ) .

(4) الطحاوي ، شرح معاني الآثار1 /224 .

(5) العلل للدارقطني 1/295 .

(6) سنن البيهقي 2/80 .

(7) العلل ص 96.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت