... وقال أيضًا:"وكل من روى هذا الخبر من الحفاظ لم يذكروا ذلك وليس من خالف الجماعة الحفاظ بشيء فيما جاء به" (1) .
ونقل الخطابي عن أهل الحديث"لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا" (2)
... وقال أبو داود:"والأحاديث كلها على خلاف ما قاله أبو الزبير" (3) .
... وفي الواقع أن رأيهم هذا هو الصواب ، إذ يستبعد أن يصحّ قول أبي الزبير المكي بخلاف ما اتفق عليه الثقات من أصحاب ابن عمر المدنيين والعراقيين جميعًا ، وإن تفرده هذا مع المخالفة يشكل النقطة الرئيسة للعلة التي تجعل الحديث منكرًا شاذًا ، وذلك لوجود قرينة علمية قوية تدل على أن هذا التفرد من أبي الزبير كان نتيجة روايته حديث الطلاق بالمعنى الذي فهمه ، ومن المعلوم أن من أهم شروط الصحيح خلوه من العلة .
... وأما القرينة العلمية التي تؤيد نكارة حديث أبي الزبير فهي كما قال الحافظ ابن رجب الحنبلي ، وهذا نصه:"وقد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثًا ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ردها عليه لأنه لم يوقع الطلاق في الحيض ،وقد روي ذلك عن أبي الزبير أيضًا من رواية معاوية بن عمار الذهني عنه ، فلعل أبا الزبير اعتقد هذا حقًا فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي فهمه ، وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير فقال عن جابر أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ليراجعها فإنها امرأته"وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإسناد وتفرّد بقوله:"فإنه امرأته"ولا يدل على عدم وقوع الطلاق إلا على تقدير أن يكون ثلاثًا فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير ، وأصحاب ابن عمر الثقات الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يختلف عليهم فيه".
..."فروى أيوب عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهمهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير ، وكان ذا ثبت ، فحدثني أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه طلقها واحدة ، خرجه مسلم ، وفي رواية: قال له ابن سيرين فجعلت لا أعرف للحديث وجهًا ولا أفهمه ، وهذا يدل على أنه كان قد شاع بين الثقات من غير أهل الفقه والعلم أن طلاق ابن عمر كان ثلاثًا ، ولعل أبا الزبير من هذا القبيل ، ولذلك كان نافع يسأل كثيرًا عن طلاق ابن عمر هل كان ثلاثًا أو واحدة ،ولما كان نافع يسأل كثيرًا عن طلاق ابن عمر هل كان ثلاثًا أو واحدة ،ولما قدم نافع مكة أرسلوا إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك لهذه الشبه . واستنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلًا معتبرًا يقول: إن الطلاق المحرم غير واقع ،وأن هذا القول لا وجه له . قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث ، وسئل عمن قال لا يقع الطلاق المحرم لأنه يخالف ما أمر به فقال: هذا قول سوء رديء ، ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض (4) ."
... وفي ضوء ذلك فإن حديث أبي الزبير يكون مرويًا بالمعنى الذي فهمه من قصة طلاق ابن عمر ، الأمر الذي أدى إلى وقوع مخالفة صريحة بينه وبين أصحاب ابن عمر في وقوع الطلاق وعدمه . وبالتالي أصبح قول النقاد المتقدمين بنكارة هذا الحديث أكثر واقعيًا ومنهجيًا من تصحيح المتأخرين له .
... وأما قول الشيخ الألباني:"وأما دعوى أبي داود أن الأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير فيرده طريق سعيد بن جبير التي قبله فإنه موافق رواية أبي الزبير هذه فإنه قال: ( فرد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك علي ،حتى طلقتها وهي طاهر ) ،وإسنادها صحيح غاية كما تقدم ، فهي شاهد قوي جدًا لحديث أبي الزبير ترد قول أبي داود المتقدم ومن نحا نحوه ، مثل ابن عبد البر والخطابي وغيرهم ،ومن العجب أن هذا الشاهد لم يتعرض لذكره أحد من الفريقين مع أهميته ، فأحفظه ، وأشكر الله على توفيقه" (5) اهـ فغير سليم منهجيًا .
... وذلك أن أيوب روى عن سعيد بن جبير بلفظ"حسبت علي بتطليقة" (6) ، بينما روى هشيم عن أبي بشر عنه بلفظ"طلقت امرأتي وهي حائض ، فردّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك علي حتى طلقتها وهي طاهر" (7) . وفي هذه الحالة التي لم يتفق فيها الرواة عن سعيد بن جبير على لفظ معين لا ينبغي القول:"إنه روى الحديث بلفظ كذا"إلا بعد ترجيح ذاك اللفظ، هذا وقد روى البخاري في صحيحه معلقًا حديث أيوب عن سعيد بن جبير بلفظه المذكور ، وهو قوله:"حسبت علي بتطليقه"مع أن اللفظ الذي ذكره أبو بشر عن سعيد بن جبير لا يخالفه أصلًا ، إذ إن سياق حديث أبي بشر - وهو:"طلقت امرأتي وهي حائض ، فردّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك علي حتى طلقتها وهي طاهر"- يكون وصفًا لما آل إليه حال ابن عمر بعد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمراجعة ،وهو أنه صلى الله عليه وسلم رد عليه امرأته ، لكونه قد راجعها امتثالًا لأمره صلى الله عليه وسلم . ولا يعني أنه صلى الله عليه وسلم لم يعتبر الطلاق نافذًا ،ولهذا كان حديث أيوب عن سعيد بن جبير صريحًا حين قال:"حسبت علي بتطليقة".
... ولذلك لا يكون لفظ سعيد بن جبير فيما رواه عنه أبو بشر شاهدًا لأبي الزبير في قوله:"ولم يرها شيئًا"إذ إنه استبدل جملة"فردها علي"مكان كلمة المراجعة التي ذكرها معظم أصحاب ابن عمر ،وبالتالي يكون سعيد بن جبير ممن خالفهم أبو الزبير ،وليس ممن وافقه .
... ولو كان أبو الزبير ذكر كلمة"فردها علي"وحدها لسلم من مخالفته الواقع الحديثي والعملي ، ولهذا السبب رواه مسلم في صحيحه ، دون ذكر كلمة"ولم يرها شيئًا"،واكتفى بالإشارة إليها . يقول الحافظ بن حجر:"ولعله - يعني مسلمًا - طوى ذكرها عمدًا" (8) . وبذلك أصبح قول أبي داود ومن نحا نحوه من الأئمة سليمًا ومنهجيًا . والحمد لله رب العالمين .
... وفي تعقيبات الشيخ الألباني على ابن القيم ملاحظات شتى ،وفي متابعتها فوائد كثيرة ،ولذا أقول:
... وقال ابن القيم تعليقًا على حديث ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر: ( أنه امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فجعله واحدة ) : ...
..."فلعمر الله ، لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدمنا عليها شيئًا ولصرنا إليها بأول وهلة ،ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده أم ابن أبي ذئب أو نافع ، فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يتيقن أنه من كلامه .."اهـ (9) .
... وعقبه الشيخ الألباني بقوله الطويل ، وفيه ما يلي:
"وهذا شيء عجيب من مثله:"
... 1- لأن المتفق عليه بين العلماء أن الأصل قبول رواية الثقة كما رواها ، وأنه لا يجوز ردها بالاحتمالات والتشكيك ، وأن طريق المعرفة هو التصديق بخبر الثقة .
... 2- ألا ترى أنه يمكن للمخالف لابن القيم أن يرد حديثه"فردها علي ولم يرها شيئًا"بمثل الشك الذي أورده هو على حديث ابن وهب بالطعن في أبي الزبير ونحو ذلك من الشكوك ، وقد فعل ذلك بعض المتقدمين كما تقدمت الإشارة إلى ذلك .
... 3- على أن ابن وهب لم يتفرد بإخراج الحديث ، بل تابعه الطيالسي كما تقدم ، فقال: حدثنا ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له فجعله واحدة"."
... 4- وتابعه أيضًا يزيد بن هارون حدثنا ابن أبي ذئب به . أخرجه الدارقطني من طريق محمد بن أشكاب نا يزيد بن هارون ،ومحمد بن أشكاب لم أعرفه الآن ، وبقية الرجال ثقات ، ثم عرفته (؟) فهو محمد بن الحسين بن إبراهيم أبو جعفر بن أشكاب البغدادي الحافظ من شيوخ البخاري ثقة .
... 5- وتابع ابن أبي ذئب ابن جريج عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"هي واحدة"أخرجه الدارقطني أيضًا عن عياش بن محمد نا أبو عاصم عن ابن جريج . قلت: ورجاله ثقات كلهم ، وعياش بن محمد هو ابن عيسى الجوهري ، ترجمة الخطيب ، وقال (12/279) : وكان ثقة ، فهو إسناد صحيح إن كان ابن جريج سمعه من نافع .
... 6-وتابع نافعًا الشعبي بلفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال:"ثم يحتسب بالتطليقة التي طلق أول مرة"وهو صحيح السند كما تقدم (10) انتهى تعقيب الشيخ الألباني .
... أقول: في تعقيب الشيخ ست نقاط مهمة ، سأذكرها على الترتيب .
... أما النقطة الأولى: فقول الشيخ إن خبر الثقة لا يرد بالاحتمال والتشكيك مستقيم جدًا ، لكن لا يصح إطلاق القول بأن الأصل المتفق عليه بين العلماء قبول رواية الثقة كما رواها ،وأن طريق المعرفة هو التصديق بخبر الثقة .
... وذلك لأن اللجوء إلى هذا الأصل المتمثل فيما هو الأغلب في حال الراوي لا يتعين إلا في نهاية المطاف بعد التتبع والبحث عن القرائن المحتفة بالرواية ، وحين التأكد من خلوها من تلك القرائن التي تدل على صوابها أو على خطئها يجب النظر في الراوي الذي انفرد بها ؛ فإذا كان ثقة فأصل حديثه الصحيح ، وإن كان ضعيفًا فأصل حديثه الضعف ، وهكذا يكون الحكم حسب حال الراوي إتقانًا وحفظًا . وهذا هو القدر الوحيد من السنة الذي تنطبق عليه القاعدة المنطقية المشهورة القائلة بأن خبر الآحاد لا يفيد إلى الظن ، دون الحديث الذي يحتف به القرائن ، إيجابية كانت أو سلبية ، فإنه يختلف عن الأول في إفادة اليقين والجزم .
... ومن الجدير بالذكر أن تفرد الراوي بحديث ما لا يشكل وحده علة ولا شذوذًا ، ولا قائل بذلك من النقاد ، وأما في حالة وجود القرائن الدالة على ضبط الراوي أوخطئه فينبغي الرجوع إليها في التصحيح والتضعيف . وبذلك تستطيع أن توفق بين ما ورد في تعريف الصحيح من خلو الحديث من شذوذ وعلة - وهو أهم عناصر التصحيح على الإطلاق - وبين الجوانب التطبيقية لنقاد الحديث التي تضعف حديث الثقة حينًا ويصحح حديث الضعيف حينًا آخر ، وبين موقف أهل السنة القائل بأن رواية الثقة عن الثقة حجة وقد شرحت هذه النقطة المنهجية المهمة في القسم الأول من هذا الكتاب .
(1) المصدر السابق .
(2) فتح الباري 9/354 .
(3) سنن أبي داود 2/256 .
(4) جامع العلوم والحكم 1/174/175 .
(5) في الإراواء 7/129- 130 .
(6) البخاري في الطلاق ، باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق، برقم (5253) .
(7) النسائي 2/95 ، والسنن الكبرى له في الطلاق ، باب الطلاق لغير العدة 3/344 والطحاوي في شرح معاني الآثار في الطلاق باب الرجل يطلق امرأته وهي حائض 3/52 ،والطيالسي ، برقم (1871) .
(8) فتح الباري 9/353 .
(9) زاد المعاد 4/47 .
(10) إرواء الغليل 7/134 -135 .