... والنقطة الثانية: - وهي"أنه يمكن أن يرد المخالف لابن القيم حديثه (فردها ولم يرها شيئًا ) بمثل الشك ، وقد فعل ذلك بعض المتقدمين"- فيها نظر ، بل فيها خلل منهجي واضح ، وذلك لأن النقاد المتقدمين لم يرفضوا حديث أبي الزبير بمجرد الشكوك والاحتمال ، كما أشار إليه الشيخ بقوله"وقد فعل ذلك بعض المتقدمين"،وليس هذا منهجهم البتة ، وإنما أعلوه لمخالفته الواقع الحديثي والعملي ، كما أوضحت آنفًا . ثم إن حديث ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر يمكن تعليله بتفرده بكلمة"وهي واحدة"دون أن يذكرها أحد ممن روى عن نافع مثل مالك وأيوب وعبيد الله وغيرهم ، وليس بمجرد الشك والاحتمال ، كما سيأتي بشيء من التفصيل . إن شاء الله تعالى .
... والنقطة الثالثة والرابعة: أقول: إن قول الشيخ سليم ؛ لأن المتابعين المذكورين لابن وهب يفيدان بدون شك أن ابن وهب لم ينفرد بذلك الحديث ، وبالتالي لا يمكن أن يكون ابن وهب هو مصدر كلمة"فجعله واحدة"مما يكون ردًا واضحا على ابن القيم في الاحتمال الذي ذكره .
... والنقطة الخامسة: أقول: لم يكن محتواها منهجيًا ، لا سيما في التصحيح ، فإنه اعتمد فيه على ثقة الراوي واتصال السند ، ولهذا قال"ورجاله ثقات كلهم ، وعياش بن محمد ترجمه الخطيب ، وقال: وكان ثقة . فهو إسناد صحيح إن كان ابن جريج سمعه من نافع"وهو المنهج الذي يغلب في دراسات المعاصرين عمومًا .
... وفي الواقع أن حديث عياش هذا فيه إشكال كبير ، يتوقف تصحيحه على معالجته ضمن إطار منهجي يحدده تعريف الصحيح . ويتجلى هذا الإشكال بوضوح من خلال مقارنة سريعة بين الروايات الواردة عن أبي عاصم عن ابن جريج في هذا الموضوع . وهو أن عياش بن محمد - وأن كان ثقة وثقه الخطيب البغدادي كما نقله الشيخ - تفرد برواية هذا الحديث عن أبي عاصم عن ابن جريج - في حدود تتبعي طبعًا - ، والمعروف عنه عن ابن جريج حديثان في موضوع الطلاق ، وهما: حديث أبي الزبير عن ابن عمر المذكور سابقًا ، وحديث طاوس عن ابن عمر مثل الروايات المشهورة .
... أما حديث عياش عن أبي عاصم فغير معروف في رواية الثقات المشهورين الذين رووا عنه قصة الطلاق ، وهذا التفرد من راو لاحق - مثل عياش بن محمد - بما لا يعرف عند سابقيه يحدث إشكالًا كبيرًا ، لا ينبغي الحكم بصحة الحديث دون معالجته في ضوء ما يقتضي منهج المحدثين في النقد ، وليس من المنهج السليم أن يصحح مثل هذا التفرد على النحو الذي ذكرته أنفًا ، من تساؤلات حول أسبابه ، ولا سيما في الوقت الذي روي فيه حديث أبي عاصم عن ابن جريج من غير وجه ، بسند آخر غير الذي أورده عياش .
... وهذا لا يعني أنني أعل حديث عياش ، بمجرد هذا التفرد الذي لاحظته - في حدود تتبعي - في الطبقة المتأخرة التي يكون من شأنها أن ينتشر الحديث فيها ، وإنما كان قصدي بذلك لفت الانتباه إلى ضرورة معالجة ذلك الإشكال ليكون تصحيح الحديث المذكور وفق منهج النقاد في التصحيح والتضعيف ، هذا وإن كنت أميل إلى أن هذا التفرد مع قرينة تحيط به - وهي أن يروي حديث أبي عاصم عن ابن جريج ، وكذلك عن ابن جريج نفسه على شكل آخر ، دون ذكر كلمة"وهي واحدة"- ، فإني لا أتجاسر على تضعيفه ، إذا لم أجد أحدًا من النقاد ينص على تفرده أو غرابته أو غرابته أو مخالفته .
... والخلاصة: أن تفرد عياش بن محمد عن أبي عاصم عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر بكلمة"وهي واحدة"ينبغي أخذه بعين الاعتبار حين يحكم بصحة هذه الكلمة ، أو اعتبارها متابعة لحديث ابن أبي ذئب عن نافع ، لأنه يحتمل كونها زيادة من طرف الراوي حسب فقهه من الحديث الذي يحفظه ومن المعلوم أنه لا يعول في ذلك على ثقة الراوي واتصال السند دون النظر في مدى سلامة الحديث من القرائن التي تدل على أنه وهم من الراوي سواء علم سبب هذا الوهم أم لا .
... هذا وإني أميل إلى أن عياش بن محمد وقع في سنن الدارقطني مصحفًا عن عباس بن محمد ، وذلك لأمرين ؛ أحدهما: أنني تتبعت كتاب السنن فوجدت أن الراوي كان يروي عنه أبو بكر النيسابوري شيخ الإمام الدارقطني إنما هو عباس بن محمد الدوري ، وليس عياش . والأمر الثاني أن عياش بن محمد من طبقة تلاميذ الإمام أحمد الذي كان يروي عن أبي عاصم ، وأما عباس الدوري فقد روى عن أبي عاصم مباشرة . وعلى فرض أن هذا الراوي الذي رواه عن أبي عاصم هو عباس الدوري فإن ما سبق من الإشكال ينطبق تمامًا عليه ، لأن المنهج في التصحيح والتضعيف ليس هو النظر في أحوال الرواة بمفردها ، حتى لا يقال إن عباس الدوري أكثر شهرة وإتقانًا من عياش بن محمد ، فحديثه أولى بالتصحيح.
... وأما الروايات المعروفة عن أبي عاصم فقد روى هارون بن عبدالله (1) وابن عسكر (2) عنه عن ابن جريج عن أبي الزبير عن ابن عمر حديث الطلاق بلفظ"فردها علي"، وكذا رواه حجاج بن محمد وعبد الرزاق (3) عن ابن جريج به ، كما اشتهر أيضًا حديث ابن جريج عن ابن طاوس عن طاوس عن ابن عمر بلفظ المراجعة ، دون ذكر كلمة"هي واحدة"، من طريق أبي عاصم وعبد الرزاق وحجاج (4) ، ورواه عن أبي عاصم عبد الله بن حجاج بن منهال (5) .
... وفي ضوء ذلك فما ذكره عياش بن محمد ، أو عباس بن محمد عن أبي عاصم عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر يكاد يكون شاذًا غريبًا غير محفوظ في نقطتين ، وهما: ذكر كلمة:"هي واحدة"،وإضافة حديث ابن جريج إلى نافع .
... وأما قول الشيخ:"فهو إسناد صحيح عن كان ابن جريج سمعه من نافع"فلعله أراد به لفت الانتباه إلى وقوع التدليس ، حيث كان يقول ذلك عادة عندما يكون الراوي متهمًا بالتدليس ،وهذا يعني اهتمامه بظاهر الاتصال ، دون ربطه بما سبق ذكره من تفرد عباس أو عياش عن أبي عاصم بالحديث المذكور .
... وبقيت لنا النقطة الأخيرة للتعقيب عليها ، وهي قول الشيخ الألباني:
... وتابع نافعًا الشعبي بلفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال:"ثم يحتسب بالتطليقة التي طلق أول مرة"، وفيها نظر أيضًا ، فإنه لم يثبت هذا القول عن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أحد ممن روى القصة عن ابن عمر من جلة أصحابه ، وإنما ابن عمر هو الذي صرح بوقوع الطلاق البدعي ، كما ورد في روايات متعددة ، وفي أخرى بصيغة المجهول:"حسبت علي تطليقة". وبذلك يكون الشعبي مخالفًا للآخرين حين قال: إنه صلى الله عليه وسلم قال:"ثم يحتسب بالتطليقة التي طلق أول مرة".
... ولعل الإمام الشعبي ( رحمه الله ) قد روى القصة بالمعنى الذي يفهم من روايات الآخرين ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم احتسب ذلك الطلاق نافذًا وجعله واحدة . ولذا يكون الأقرب إلى الصواب أن كلمة"هي واحدة"أدرجها ابن أبي ذئب في حديث نافع حين روى قصة ابن عمر بالمعنى ، وربما يكون هذا الإدراج لكثرة الشبهات حول مسألة الطلاق البدعي: هل يقع أو لا .
... وهذا الإدراج يتجلى أكثر حين نقارن الروايات عن نافع عن ابن عمر ، فكلمة"هي واحدة"لم ينقلها ضمن قول النبي صلى الله عليه وسلم أحمد ممن روى عن نافع ، من امثال مالك وعبيد الله وأيوب وغيرهم من كبار الثقات ، كما لم يعرف في رواية سالم ويونس بن جبير ومحمد بن سيرين وغيرهم من أصحاب ابن عمر . وكذا لم ينقل هذه الكلمة مرفوعة أحد ممن روى عن ابن جريج عن ابن طاوس عن طاوس عن ابن عمر ، وكذلك كلمة"يحتسب بتلك التطليقة"لم تثبت برفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، بينما جاء في بعض الطرق الصحيحة نص على أن ابن عمر كان يعده تطليقة ، ويحتسبها ، وفي رواية صحيحة"وحسبت علي تطليقة"بصيغة المجهول .
... وفي ضوء ما سبق فإن رأي ابن القيم أن كلمة: ( وهي واحدة ) ليست من النبي صلى الله عليه وسلم ، يكون اقرب إلى الصواب . والله تعالى أعلم .
... ومن الأحاديث التي صححها بعض المتأخرين بناء على ظاهر السند ، حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنه قال في رجل يطلق امرأته وهي حائض ؟ قال ابن عمر: لا يعتد بذلك (6) . وبما أن هذه الرواية عن عبيد الله مخالفة لما رواه عنه الثقات ، كابن المبارك ، والمعتمر بن سليمان ،وابن نمير ، وعبد الله بن إدريس ، قال يحيى بن معين:"وهذا غريب ليس يحدث به إلا عبد الوهاب الثقفي" (7) . لكن عقبه الإمام البيهقي بقوله"وقد روى معناه يحيى بن أيوب المصري عن عبيد الله"، وهذا لا ينفي العلة التي أشار إليها ابن معين ، لكونه قد خالف سائر الثقات بكلمة"لا يعتد بذلك"، وعدم ثبوتها عن عبيد الله .
... والخلاصة: إن حديث أبي الزبير ، وحديث عبد الوهاب الثقفي صححهما بعض المتأخرين بناء على ظاهر السند ، بينما أعلهما بعض النقاد المتقدمين لمخالفتهما الواقع الحديثي مع كونهما من الثقات ، الأمر الذي يؤكد تباين المنهج بين المتقدمين والمتأخرين عمومًا في التصحيح والتضعيف ، وأن كثيرًا من المعاصرين ينتهجون في ذلك منهج الفقهاء المتأخرين ، الذي يقوم على ظاهر السند ، وأن المتقدمين النقاد هم المرجعية الوحيدة في هذا المجال النقدي ، لما يتسمون به من دقة النظر في القرائن والملابسات التي تحيط بالحديث ، وجاء هذا المثال ليجسد ذلك بجلاء ، وهو الذي سبق تحريره في القسم الأول من هذا الكتاب . والله أعلم .
(1) مسلم في باب الطلاق ، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ، برقم (1471) .
(2) أبو نعم في الطلاق ، باب من طلق امرأته وهي حائض 4/152 .
(3) رواه مسلم في الموضع السابق .
(4) أبو نعيم في مستخرجه 4/151 .
(5) المصدر السابق .
(6) مصنف ابن أبي شيبة في الطلاق ، باب ما قالوا في الرجل يطلق امرأته وهي حائض 4/6 وسنن البيهقي 7/418 .
(7) سنن البيهقي في العدة ، باب لا تعتد بالحيضة التي وقع فيها الطلاق 7/418 .