فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 113

الموازنة بين الأئمة المتقدمين والمتأخرين

... من خلال الموازنة بين هذه النصوص يتجلى الفارق المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في الصحيح والتضعيف ، فإذا كان أبو داود وغيره من النقاد قد سلكوا في ذلك مسلك المقارنة بين حديث أبي الزبير هذا وبين الواقع الحديثي في رواية ذلك الحديث عن ابن عمر ، لمعرفة مدى الموافقة أو المخالفة بينهما ، فإن منهج المتأخرين في ذلك يقوم أساسًا على ظاهر أحوال الرواة والاتصال فيما بينهم ،وهذا المنهج هو بعينه ما نتهجه الفقهاء المتأخرون ، كما سبق تحريره في القسم الأول من هذا الكتاب .

... وقد رأينا فيما سبق أن ابن القيم وغيره من المتأخرين يركزون في تصحيح حديث أبي الزبير على أنه ثقة ،وقد صرح بالسماع ، بالإضافة إلى ما ذكره الشيخ الألباني من أن أبا الزبير لم ينفرد بلفظه المذكور ، بل تابعه سعيد بن جبير ، وسيأتي النقاش حول هذه النقطة بالتفصيل إن شاء الله تعالى ، بينما قال أبوداود وغيره: إن حديث أبي الزبير مخالف لما رواه الآخرون ،وأنه منكر غير محفوظ عن ابن عمر ، الأمر الذي يزيدنا تأكيدًا على تباين منهجي بين المتقدمين والمتآخرين في التصحيح والتضعيف على النحو الذي تقدّم ذكره آنفًا .

... هذا الحكم الذي صدر من أبي داود وغيره من النقاد المتقدمين واضح إذا اعتبرت لفظة ( ولم يرها شيئًا ) من قول أبي الزبير . وأما إذا كان حديثه بلفظ:"فردها علي"دون زيادة"ولم يرها شيئًا"كما ورد في بعض الروايات التي رواها مسلم (1) وغيره فيكون مصدر هذه الجملة بعض الرواة اللاحقين ، وعليه فحديث أبي الزبير يمكن أن يكون موافقًا لما رواه معظم الثقات من أصحاب عبد الله بن عمر ، ألا وهو قولهم:"مره فليراجعها"،ولذلك وقع في بعض الروايات"ليراجعها ، فردها علي"بالفاء ، ولعل هذا قول الشافعي رضي الله عنه"وحديث أبي الزبير شبيه به" (2) ، يعني بما روى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالرجعة .

... ومن الواضح جدًا أن سياق القول"ليراجعها ، فردها علي"يدل على أن كلمة"فردها علي"وصف موجز من أبي الزبير لما حدث في قصة أبن عمر في الطلاق ، أعنى بذلك: أن ابن عمر راجع امرأته وردها إليه ، فلما كان ارتجاعه لها امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم نسب ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ،وقال:"فردها علي"بالفاء .

... علمًا أن هذه الجملة لم ترد بواو العطف في شيء من الروايات التي وجدتها ، حتى يمكن القول بأنها تضيف أمرًا جديدًا غير الذي أفادته الجملة الأولى ، وهو عدم الاعتداد بطلاقه البدعي .

... وأما في حالة ثبوت جملة"ولم يرها شيئًا"عن أبي الزبير ، كما يظهر ذلك جليًا من نصوص النقاد وغيرهم فإن أقرب الاحتمالات التي ترد في شأنها هو أن هذه الجملة أضافها أبو الزبير حين روى عن ابن عمر قصة طلاقه بالمعنى الذي فهمه وفق الاعتقاد السائد لدى طوائف من الناس ،وهو أن الطلاق الذي طلقه ابن عمر ثلاثة ،كما ورد عن ابن سيرين ما يدل على ذلك ، فقد قال:"مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض فأمر أن يراجعها ، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير الباهلي ، وكان ذا ثبت ، فحدثني أنه سأل ابن عمر ، فحدثه أن طلق امرأته تطليقة وهي حائض فأمر أن يراجعها ، قال: قلت: أفحسبت عليه ؟ قال فمه أو إن عجز واستحمق" (3) .

... وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أرسلنا إلى نافع ،وهو يترجل في دار الندوة ذاهبًا إلى المدينة ، ونحن جلوس مع عطاء: أم حسبت تطليقه عبد الله امرأته حائضًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم واحدة ؟ قال: نعم (4) .

... ولذا قال الحافظ ابن رجب الحنبلي:"وكان نافع يسأل كثيرًا عن طلاق ابن عمر هل كان ثلاثًا ، أو واحدة ، ولما قدم نافع مكة أرسلوا إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك لهذه الشبهة" (5) . ويبدو من ذلك أن أهل مكة كانوا يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثًا .

... وإذا كان أبو الزبير مكيًا فمن الطبيعي جدًا أنه قد فهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم:"ليراجعها"أن طلاق ابن عمر لم يقع ، إذ لو كان الطلاق البدعي قد وقع فعلًا ما أمره صلى الله عليه وسلم بالمراجعة لكونها بائنة ،وبهذا أصبح أبو الزبير مخالفًا للواقع الحديثي والعملي في حديث ابن عمر .

... أما الواقع الحديثي فأعنى به اتفاق معظم الثقات من أصحاب عبد الله بن عمر على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالمراجعة دون ذكر أحد منهم كلم"فردها علي ، ولم يرها شيئًا". وحين أدرج أبو الزبير هذه الكلمة في حديث ابن عمر أصبح مخالفًا للواقع الحديثي ، وربما يوافقه في ذلك بعض من روى قصة ابن عمر بالمعنى لكونه ممن يعتقد بعدم وقوع الطلاق البدعي ، كعبد الله بن مالك ، فقد روى سعيد بن منصور من طريقه عن ابن عمر"أنه طلق امرأته وهي حائض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك بشيء".

... ومن خلال المقارنة السريعة بين هذا اللفظ وبين ألفاظ الثقات يظهر أن هذا الحديث رواه عبد الله بن مالك باختصار القصة وبالمعنى الذي فهمه منها - وهو عدم الاعتداد بالطلاق البدعي - وبالتالي فإن هذا الحديث لا يعطي لحديث أبي الزبير تقوية الأمر الذي يؤكد على أن حديث أبي الزبير خطأ ووهم ، وعبدالله بن مالك هذا هو الهمداني ، ليس من الرواة المعروفين ، لا سيما في حديث ابن عمر ، ولذا قال الحافظ في التقريب:"مقبول" (6) .

... وأما الواقع العملي فهو أن ابن عمر كان يرى وقوع الطلاق بدعيًا ، ولهذا كان يفتي بذلك حين يسأل عن ذلك . كما ثبت ذلك أيضًا عن نافع وغيره من أصحاب عبد الله بن عمر . وإليك من النصوص ما يفيد ذلك:

... روى محمد بن سيرين عن يونس بن جبير بلفظ:"سألت ابن عمر ، قلت: رجل طلق امرأته وهي حائض ؟ فقال: هل تعرف عبد الله بن عمر فإنه طلق امرأته وهي حائض فأتي عمر النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يراجعها . قلت: تعتد بتلك التطليقة ؟ قال: فمه ، أرأيت إن عجز واستحمق" (7) .

... ورواه حميد الطويل عن يونس بن جبير قال:"قلت لابن عمر اعتددت بطلاقك إمرأتك ؟ قال: وما لي لا أعتد بها وإن كنت أسأت واستحمقت" (8) .

... ورواه أنس بن سيرين: سمعت ابن عمر يقول:"طلق ابن عمر امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم قال: ليراجعها فإذا طهرت فليطلقها ، قال: فقلت له: أفتحتسب بها ؟ قال: فمه" (9) .

... وفي حديث أيوب عن نافع:"فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض، يقول: أما أنت إن طلقتها واحدة أو اثنتين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يرجعها ثم يمهلها حتى تحيض حيضة أخرى ، ثم يمهلها حتى تطهر ثم يطلقها قبل أن يمسها ،وأما أنت طلقتها ثلاثًا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك وبانت منك" (10) .

... وفي حديث سالم عن ابن عمر"وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة فحسبت من طلاقها ، وراجعها عبد الله كما أمره صلى الله عليه وسلم" (11) .

... وفي حديث الزبيدي عن الزهري"قال ابن عمر: فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقتها" (12) .

... وفي حديث عبيد الله بن عمر:"قلت لنافع: ما صنعت التطليقة ؟ قال: واحدة اعتد بها" (13) .

... وفي حديث ابن أبي ليلى عن نافع:"أن رجلًا طلق امرأته - وهي حائض - ثلاثًا ، فسأل ابن عمر فقال: عصيت ربك وبانت منك ، لا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك" (14) .

... وعن الشعبي عن شريح:"أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا - وهي حائض - أتعتد بعد هذه الحيضة ثلاث حيض ، ولا تحتسب بهذه الحيضة التي طلقها فيها ، فقال: هو الذي الناس عليه" (15) .

... وهذه الروايات المتعددة تفيد بأن الواقع العملي لدى صاحب القصة عبد الله بن عمر وأصحابه وغيرهم هو الاعتداد بوقوع الطلاق بدعيًا .

... وإذا كان لفظ أبي الزبير:"ولم يرها شيئًا"هو الصحيح ، كما يدّعي ذلك ابن حزم وغيره من المتأخرين ، فكيف صدر من ابن عمر الفتوى بخلاف ذلك ، ثم يستمر عليه أصحابه من بعده ،ولا يعقل أصلًا أن ينقل ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم عدم اعتداده بالطلاق البدعي ثم يخالف ذلك قولًا وعملًا !! إلا إذا حملت كلمة"ولم يرها شيئًا"على المعنى الذي ذكره ابن عبد البر ،وهو:"لم يرها شيئًا"على المعنى الذي ذكره ابن عبد البر ، وهو:"لم يرها على استقامة لكونها لم تقع على السنة" (16) أو كما قال الإمام الشافعي:"لم يرها شيئًا أي صوابًا" (17) .

... يقول الحافظ ابن حجر:

..."وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبد البر وغيره يتعين ، وهو أولى من تغليط بعض الثقات . وأما قول ابن عمر: ( أنها حسبت عليه بتطليقه ) فإنه - وإن لم يصرح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم- فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال: إنها حسبت عليه ، فكيف يجتمع مع هذا قوله: ( إنه لم يعتد بها) أو ( لم يرها شيئًا ) على المعنى الذي ذهب إليه المخالف ، لأنه إن جعل الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة بخصوصها ، لأنه قال: إنها حسبت عليه بتطليقة ، فيكون من حسبها عليه خالف كونه لم يرها شيئًا ، وكيف يظن به ذلك مع اهتمامه واهتمام أبيه بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ليفعل ما يأمره به ؟ وإن جعل الضمير في ( لم يعتد بها ) أو ( لم يرها ) لابن عمر لزم منه التناقض في القصة الواحدة فيفتقر إلى الترجيح ، ولا شك أن الأخذ بما رواه الأكثر والأحفظ أولى من مقابلة عند تعذر الجمع عند الجمهور والله أعلم (18) . ا هـ ."

... هذا فقد تبين جليًا أن هذه الكلمة التي زادها أبو الزبير عن ابن عمر إنما كانت نتيجة روايته قصة ابن عمر في الطلاق بالمعنى الذي فهمه ، كما سبق بيانه ، دون أن يكون لهذه الزيادة أصل في حديث ابن عمر . ولهذا قال ابن عبدالبر:"هذا القول منكر عن ابن عمر لما ذكرنا عنه ( أنه أعتد بها ) ولم يقله أحد عنه غير أبي الزبير ، وقد رواه عنه جماعة جلة فلم يقل ذلك واحد منهم ، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله ، فكيف بخلاف من هو أثبت منه" (19) .

(1) مسلم في الطلاق ، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ، برقم (1471) .

(2) اختلاف الحديث ص: 261 .

(3) مسلم في الطلاق ، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ، برقم (1471) .

(4) مصنف عبد الرزاق 6/309 .

(5) جامع العلوم والحكم 1/175 .

(6) التقريب 1/319 ، وانظر تهذيب الكمال 15/506 .

(7) صحيح مسلم في الطلاق ، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ، برقم (1471) ، وقوله:"فمه ، أرأيت إن عجز واستحمق"، يفسره ما ورد في الروايات الأخرى ، مثل حديث حميد الطويل"وما لي لا اعتد بها وإن كنت أسأت واستحمقت"، يعني الطلاق واقع ونافذ ، ولا يمنعه العجز والحماقة .

(8) المصدر السابق .

(9) المصدر السابق .

(10) المصدر السابق .

(11) المصدر السابق .

(12) المصدر السابق .

(13) المصدر السابق .

(14) مصنف عبدالرزاق 5/311 .

(15) المصدر السابق .

(16) في التمهيد 15/65 .

(17) اختلاف الحديث ص: 262 .

(18) فتح الباري 9/354 .

(19) التمهيد 5/65 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت