... فأما الذي وقع في رواية الحاكم في الأربعين من طريق حسان بن عبد الله الواسطي عن المفضل بن فضالة ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن أنس من لفظه:"والعصر"في قوله:"فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلّى الظهر والعصر ثم ركب"، فغير ثابت ، وإنه زيادة خطأ من الراوي عن الحاكم أو من الناسخ ، فإن البيهقي أخرج هذا الحديث عن الحاكم وجعل لفظه كلفظ الليث عن عقيل سواء (1) ، يعني لم ترِد فيه:"والعصر".
... ومع ذلك فإن الإمام البخاري روى هذا الحديث بدون كلمة:"والعصر"، عن حسان بن عبد الله الواسطي عن المفضل به .
... وهذا كله يدل على أن كلمة"والعصر"في رواية الحاكم زائدة خطأ ، فقد قال الحافظ:"في ثبوتها نظر"، ومن هنا يندفع الاستدراك على الحاكم أنه لم يورد ذلك الحديث في كتابه المستدرك ، وتصحيح بعض المتأخرين له (2) .
وكذا ما رواه الإمام الطبراني عن محمد بن إبراهيم الأصبهاني حدثنا هارون بن عبد الله الحمال ، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا محمد بن سعد ، حدثنا ابن عجلان عن عبد الله بن الفضل ، عن أنس … الحديث وفيه:
..."إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في سفر فزاغت الشمس قبل أن يرتحل صلّى الظهر والعصر جميعًا".
... فإنه أيضًا غير ثابت وأعلّه الطبراني بتفرد يعقوب بن محمد به ، وهو ممن تكلم فيه النقاد من أجل روايته ما لا يعرفه الحفاظ (3) .
... وبعد فإن جمع التقديم لم يذكره أنس في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما وقع ذلك في بعض الروايات الشاذة ، وليس من عادة المحدثين النقاد أن يُجمع كل ما وقع شاذًا وغريبًا ويُصحح ويُحتج به .
... وأما حديث ابن عباس في الجمع المطلق فمعروف ، رواه البخاري ومسلم وغيرهما (4) ، لكن لم يذكر فيه أحد من الرواة جمع التقديم إلا حسين بن عبد الله بن عبيد الله عن عكرمة وكريب ،عن ابن عباس ، وحسين هذا متفق على ضعفه ، لكن بعض الرواة من الطبقة المتأخرة أسقط من السند حسين بن عبد الله وجعل الإسناد هكذا: هشام بن عروة عن كريب ، عن ابن عباس ، ولم يتنبه له من المعاصرين من صححه نظرًا إلى ظاهره واغترارًا به (5) .
... وتوضيح ذلك أن حسين بن عبد الله روى عنه ابن جريج وابن عجلان وابن الهاد وهشام بن عروة ، ولكل منهم رواة كثيرون ، ولابن جريج فيه إسنادان أحدهما عن حسين مباشرة ، والثاني عن هشام بن عروة عن حسين بالواسطة كما حققه الإمام الدارقطني وفق القواعد النقدية ، ومن أراد تأكيده فليراجع سنن الإمام الدارقطني 1/389 -390 . وكذا سنن البيهقي 3/163 .
ولم يكن لهشام بن عروة فيه رواية مباشرة عن كريب وإنما عن حسين بن عبد الله ، عن كريب ، فقد قال أبو داود:"وروى هشام بن عروة عن حسين بن عبد الله ، عن كريب".
... لكن اسماعيل بن أبي أويس أغرب الإسناد وقلبه وقال: عن أخيه عن سليمان بن بلال ، عن هشام بن عروة ، عن كريب به ، وإسماعيل هذا متكلم فيه بسرقة الحديث وغيرها (6) .
... وقد لخص الحافظ ابن حجر القول في إسماعيل ، وقال:"لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلاَّ أن شاركه فيه غيره فيعتبر فيه" (7) .
... ونظيره ما رواه يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده عن أبي خالد الأحمر عن الحجاج ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، فقد قال أبو زرعة:"هو خطأ إنما هو أبوخالد عن ابن عجلان ، عن الحسين بن عبد الله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس (8) ."
... ونبين مما ذكرنا أنه لم يصح في حديث ابن عباس مرفوعًا جمع التقديم غير أنه صح فيه عمله (9) ، كما صح الحديث عنه في الجمع مطلقًا ، وعلى هذا فحديث ابن عباس ليس فيه ما يصلح أن يكون شاهدًا لحديث قتيبة ، فتبين لنا أن رواية قتيبة معلولة كما صرح بها النقاد، وأن جمع التقديم لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير الحج كما حكي الحافظ عن أبي داود أنه حديث منكر ، وليس في جمع التقديم حديث قائم ، يعني في غير الحج .
ثانيًا: صاحب الإرواء:
... يقول:"وغاية ما أعلّ به - يعني الحاكم - علتان ، الأولى تفرّد قتيبة به أو وهمه فيه ،والأخرى عنعنة يزيد بن أبي حبيب ."
..."والجواب عن الأولى أن قتيبة ثقة ثبت كما قال الحافظ فلا يضر تفرده كما هو مقرر في علم الحديث ، وأما الوهم فمردود إذ لا دليل عليه إلا الظن والظن لا يغني من الحق شيئًا ولا يرد به حديث الثقة ، ولو فتح هذا الباب لم يسلم لنا حديث".
..."والجواب عن العلة الأخرى فهو أنّ يزيد بن أبي حبيب غير معروف بالتدليس ،وقد أدرك أبا الطفيل حتمًا ، فإنه ولد سنة ( 53) ،ومات سنة (128) ، وتوفي أبو الطفيل سنة (100) ، أو بعدها وعمر يزيد حينئذ ( 47 ) سنة".اهـ.
... أقول - وبالله التوفيق والفضل -: إنه قد سبق من التفاصيل ما يوضح الشبهة التي دفعته إلى أن يجيب عن العلة الأولى بهذا التعليق الغريب (10) .
... وأما جوابه الثاني فمبنيّ على تصوره الخاطئ لمدلول قول الحاكم ، وكان قوله إشارة واضحة إلى بعض المعطيات الواقعية التي اهتدوا بها إلى معرفة الخطأ والوهم في الرواية والجزم به .
... وقول الحاكم:"ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية"كان مدلوله واضحًا أن هذا إسناد غريب التركيب ، ولا يوجد له حديث ، ومن علم هذا من خلال حفظه وجمعه واستيعابه وغربلته يجزم أن ذلك التركيب إنما هو نتيجة وهم وخطأ .
... ونظيره ما ذكره البخاري في مناسبة تعليله لحديث كفارة المجلس الذي رواه موسى بن عقبة عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة:"لا أعلم في الدنيا بهذا الإسناد غير هذا الحديث" (11) .
... ولكن فضيلة الشيخ - حفظه الله - تصوره بشيء آخر لم يقصده الحاكم ، وقال:"إن يزيد غير معروف بالتدليس …"إلى آخر قوله ، والحاكم لم يعلّه بسبب الانقطاع ولا بعنعنته حتى يعلق عليه بذلك .
(1) سنن البيهقي 3/161 .
(2) انظر تلخيص الحبير 2/52 ( تحقيق د. شعبان محمد إسماعيل ، مكتبة الكليات الأزهرية ) ، والإرواء 3/32 .
(3) الضعفاء للعقيلي 4/445 ، والتهذيب 11/396 ،وحديث الطبراني ذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 2/160 ( مكتبةالقدسي ) ،والحافظ ابن حجر في التلخيص .
(4) البخاري في كتاب تقصير الصلاة باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء 2/579 معلقًا ، ومسلم في باب جواز الجمع بين الصلاتين 5/215-218 من طرق كثيرة بألفاظ مختلفة .
(5) انظر الإرواء 3/32 .
(6) راجع الكامل لابن عدي 1/323 ،والتهذيب 1/310 ، أما قول أبي دواد ففي سننه 1/188 .
(7) هدي الساري ص 391 .
(8) كتاب العلل لابن أبي حاتم 1/183.
(9) انظر فتح الباري 2/583 .
(10) راجع ص 145 وما بعدها من هذا البحث .
(11) انظر النكت 2/745 .