فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 113

تعقيبات علمية مفيدة

... وننهي الكلام في المثال الثاني ببعض التعقيبات العلمية على ما كتبه أحد الأفاضل حول حديث قتيبة الذي نحن بصدده ضمن رسالة صغيرة مطبوعة تحت عنوان"الجمع بين الصلاتين في السفر".

... وقد اقتفى صاحبها آثار من سبقه كابن القيم والشيخ الألباني في توهين جانب العلة بذكر المتابعة والشواهد التي تم التعقيب عليها والكشف عن حقيقتها .

بيد أن في أسلوبه جوانب أخرى أثارت في نفسي عجبًا واستغرابًا فأردت أن أتابعها هنا بالملاحظات العلمية وعسى أن يستفيد منها عشاق هذا العلم،إن شاء الله.

... أولًا: قوله:"وأما القصة التي ساقها الحاكم والخطيب واعتمد عليها ابن حزم فإنها تدور على شيخ الحاكم محمد بن موسى بن عمران ، وقال الحافظ في لسان الميزان: وكان له فهم: ولكنه كان مغفلًا ، ذكره الحاكم ، وصالح بن حفصويه راوي القصة عن البخاري ما وجدت ترجمته ولا نكتفي بقول الإمام ابن خزيمة وكان صاحب حديث ، فثبوت القصة متوقف على صحة السند إلى البخاري رحمه الله" (1) .

... أقول: لو كان راويها متهمًا بالكذب أو مجهولًا أو كان الإسناد منتقطعًا لصارت القصة مردودة ، أما إذا كان معروفًا وله فهم وعقل - وإن لم يسلم من الغفلة - فلا مانع من قبولها والاعتماد عليها ، لا سيما إذا اعتمد عليها أئمة هذا الشأن كالحكام وهو تلميذ ذلك الراوي ، وكالخطيب البغدادي والبيهقي وغيرهم .

... ذلك أن الشروط الدقيقة التي وضعوها للرواة إنما هي لحفظ الأحاديث النبوية بالدرجة الأولى ، وأما في غيرها فإنها لم تعتبر بقدر ما هو معتبر في المرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن تتبع كتب التراجم وغيرها بان له ذلك .

... بيد أن المحققين من المؤلفين لا يتركون الأسانيد بدون نظر وتأمل ، بل ينظرون فقط هل الراوي متهم بالكذب ؟ أم مجهول العين والحال ؟ أم الإسناد منقطع ؟ أم خالف المعروف ؟ فإن كان الأمر كذلك فهم يعقبون عليه بذلك .

... وعلى هذه الصورة ظلت الأسانيد مستعملة منذ عصر التدوين ، ومسند الإمام أحمد مثال واضح لذلك ، إذ إن جميع ا لأسانيد التي نقلته عن الإمام أحمد تدور على أبي علي بن المذهب عن أبي بكر القطيعي عن عبد الله عنه ، وقد تكلم فيها العلماء (2) .

... على أن هذه القصة لم تكن بمجردها مصدرًا وحيدًا لدى النقاد لتعليل الحديث ، وإنما اعتبرها بعضهم لتحديد الجهة التي صدر منها الخطأ ، هذا وقد عبّر الخطيب والذهبي بصيغة الجمع في قولهما:"ويرون أن خالدًا المدائني أدخله على الليث"مما يفيد بأن القصة لها أصل يجعلنا أن لا نتوقف عن قبولها .

... ثانيًا: قوله:"وأما قول الحاكم - رحمه الله - فهؤلاء الأئمة ما كتبوه عن قتيبة إلا تعجبًا من سنده ومتنه فدعوى ، فإن أئمة الحديث رحمهم الله قد يكتبون الحديث ليتخذوه حجة عند الله ، وللتوقف فيه حتى يحصل له عاضد ، وللنظر في مذهب المحدث ، والظاهر هنا الأول ذلك لأنهم لو علموا أن قتيبة واهِم في هذا لراجعوه ، كيف ويحيى بن معين قد اختبر شيخه أبا نعيم الفضل بن دكين ، والبخاري قد ردّ على بعض شيوخه كما في مقدمة الفتح ، وقد ساق الخطيب بسنده إلى قتيبة أنه قال لأحمد بن محمد: ما رأيت في كتابي من علامات الحمرة فهو علامة أحمد بن حنبل وما رأيت فيه من الخضرة فهو علامة يحيى بن معين".اهـ (3) .

... أقول: - إن قول الحاكم"فهؤلاء الأئمة ما كتبوه عن قتيبة إلا تعجبًا من سنده ومتنه"ليس مجرد دعوى ولا تخمين بل إنه قول نابع من خبرة علمية وتجربة حديثية يؤيده الواقع الملموس المألوف في أساليب المحدثين في تلقي الأحاديث وسماعها وكتابتها .

... إن البارعين من الحفاظ عادتهم أن ينتخبوا الأحاديث الغريبة والروايات المنكرة من الأصول التي يمكنها لهم شيوخهم أو معاصروهم ويرسم عليها كل منهم علاماتهم الخاصة ليتميز أصحابها ، وقد عقد الخطيب البغدادي في كتابه"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"بابًا خاصًا بعنوان"رسم الحافظ العلامة على ما ينتخبه"لتناول مسألة الانتخاب والإنتقاء (4) .

... وقد أود الخطيب فيه حديث قتيبة الذي نحن بصدده ثم قال:"قال أبو العباس السراج: رأيت على هذا الحديث في كتاب قتيبة ست علامات ، منها علامة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وأبي بكر بن أبي شيبة وغيرهم".

... فهؤلاء الأئمة إنما وضعوا عليه العلامات لانتخابه لمّا وجدوه غريبًا ومنكرًا ، وهذا ما قاله الحاكم فهؤلاء الأئمة ما كتبوه عن قتيبة إلا تعجبًا من سنده ومتنه ، وإلا فتخصيصهم له بالعلامات من بين الأحاديث يثير الحيرة والغرابة .

... والجدير بالذكر أن أكثر النقاد لا ينتخبون من الأصول إلا الأحاديث الغريبة والروايات المنكرة كما أوضحه الخطيب (5) . إذ إنهم يريدون به لفت الانتباه إلى غرابتها ونكارتها ، ومن هنا أصبح الانتخاب عملًا علميًا يتصل بالنقد ، ولا يقدر عليه إلا النقاد الجهابذة .

... يقول ابن معين:"دفع إليَّ ابن وهب كتابين عن معاوية بن صالح خمسمائة أو ستمائة حديث فانتقيت منها شرارها ورددت عليه الكتابين ، قيل له: لمَ أخذت شرارها ؟ قد كنت سمعتها من إنسان قبله ؟ قال: لا ، ولكن لم يكن لي بها يومئذ معرفة" (6) ، فالإنتخاب شيء وكتابة الحديث على وجهه شيء آخر .

... صحيح أن يحيى بن معين كان يختبر شيوخه لمعرفة مدى ضبطهم وإتقانهم وحفظهم ، فقد أختبر أبا نعيم وغيره ، وقصته فيه معروفه ، لكن لم يختبر بعد معرفة الأحوال ، وقد كان قتيبة بن سعيد من أقرانه المعروفين لديه ، وأما مراجعة الأخطاء فلا يمتنع عنها مهما كان مصدرها ، ولهذا وضع ابن معين علامة على حديث قتيبة ، والله أعلم .

... ثالثًا: قوله:"وأما أبو حاتم - رحمه الله - فإنه اعتمد على شيئين: أحدهما: أنه لم يجد الحديث في مصر ، وإنما حدثه به قتيبة ، وهذا لا يمنع أن يتفرد قتيبة بحديث عن الليث ، والثاني: أنه عللها برواية أبي صالح عن الليث ، عن هشام بن سعد ، وأبو صالح هو عبدالله بن صالح كاتب الليث والكلام فيه معروف ، وهشام هو ابن سعد مختلف فيه والراجح ضعفه إلاّ إذا روي عن زيد بن أسلم فهذه الرواية لا تصلح أن تكون معلة لتلك الرواية".

... أقول: إن كان أبو حاتم الذي ليس من شأن أمثاله النقاد أن يرسلوا الكلام جزافًا في مجال النقد قد صرّح بأنه لم يصب ذلك الحديث بمصر عن الليث ، وأنه لا يعرفه من حديث يزيد بن أبي حبيب فمعناه المتبادر إلى الذهن الواعي أنه قال ذلك بعد بحثه الدقيق في الأصول المعروفة والمحفوظة لدى عبد الله بن صالح كاتب الليث وغيره وبعد مراجعته لحفاظ أصحابه ، مما يهيئ قلب الناقد للجزم بأن ذلك الحديث لا يمكن أن يكون إلا خطأ .

حيث أن تلك الأصول نالت أهمية بالغة في أوساط النقاد إذ هم كانوا يرجعون إليها في حسم الخلاف الذي يحدث عادة بين الرواة لأحاديث ليث بن سعد ، كما يبدو ذلك جليًا من صنيع البخاري في التاريخ الكبير ومن ترجمة خالد المدائني وغيره .

... ولا يعكر عليه ما تكلم بعض النقاد في عبد الله بن صالح لأن الأمر الفاصل فيه هو ما حققه الحافظ ابن حجر إذ قال: ظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن حديثه في الأول كان مستقيمًا ثم طرأ عليه فيه تخليط ، فمقتضى ذلك أن ما يجئ من روايته عن أهل الحذق كيحيى بن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم فهو من صحيح حديثه وما (7) يجئ من رواية الشيوخ عنه فيتوقف فيه .اهـ .

... فهل من المعقول أن نرفض قول أبي حاتم مجيبين عنه بأنه لا يمنع ذلك أن يتفرد قتيبة بحديث عن الليث ، لا سيما وقد صرّح النقاد قبله وبعده بأن قتيبة تفرّد به عن الليث ، دون أن نذكر رواية واحدة موافقة له .

... وقد وجدنا المعارضين سابقًا أنهم عجزوا عن ذكر رواية توافق لقتيبة ، وإنما ذكروا ما أورده النقاد من رواية ابن موهب الرملي التي تخالفه في نقطة تفرده ، فلا يبقى هنا مجال لطرح قول أبي حاتم وغيره .

... نعم إذا قمنا بالمقارنة بين قتيبة وعبد الله بن صالح بغض النظر عن الملابسات التي تنيط بروايتهما نكاد نجزم بترجيح رواية قتيبة على رواية عبدالله لما نلمس بينهما من تفاوت في المستوى العلمي ، لكن هذه المقارنة السهلة التي لا تحتاج إلى عناء لم تكن كافية لرفض ما قاله الناقد ، لأنه قد مضى من التوضيحات ما يلقي ضوءًا كاشفًا على الملابسات العلمية التي دفعت بالنقاد إلى القول بوقوع الخطأ في رواية قتيبة .

... أما اختصار أبي حاتم بذكر رواية أبي صالح فلا يعني أنه لا يعرف غيرها ، وإلاَّ لحكم عليها أيضًا بالتفرد دون أن يذهب إلى الاعتماد عليها ، وإنما أراد به مجرد الإشارة إلى ما كان يعرفه الحفاظ من رواية ليث بن سعد بدون أن يستوعب ذكر جميع الرواة ، لأنه التزم الاختصار في كتابه العلل .

... هذا وقد وقفنا على رواية موهب الرملي عن الليث الموافقة لرواية عبد الله بن صالح ، ورواية المفضل بن فضالة عن هشام بن سعد الموافقة لليث بن سعد مما يرجح جانب عبد الله بن صالح حتى ولو نظرنا نظرة سطحية .

... ومما تجدر به الإشارة أن ضعف الراوي - هشام بن سعد - ليس له دخل في مسألة الترجيح بين قتيبة وعبيد الله بن صالح لأن المهمة النقدية تتمثل هنا في النظر فيما قال الليث هل كما اخبر به عن قتيبة ؟ أم كما أخبر به عبد الله بن صالح ؟ أم أخبر بهما جميعًا مرة هكذا وفي أخرى هكذا ؟ ويصبح الترجيح بينها أو الجمع حسب القرائن والملابسات ، ولا يكون لضعف هشام بن سعد أية صلة بذلك ، كما يوهم ذلك السياق الذي نقلته آنفًا ، نعم له تأثير سلبي لو كانت المقارنة بينه وبين غيره كما لاحظناها من قبل .

... أخيرًا أصبحت الهوة العلمية التي تفصل بين نقاد الحديث وغيرهم من المتأخرين في مجال النقد العلمي واضحة جلية من خلال الواقع الملموس ، حيث إن جل الأسباب التي لاحظناها في حوزة المتأخرين لم تكن قوية بقدر ما يسمح لهم المخالفة لنقاد الحديث ، مما يؤكد على ضرورة التسليم في حالة وجود اتفاق بين النقاد على تعليل حديث أو تصحيح حديث بدون استدراك أو اعتراض بناءً على مبدأ احترام أهل التخصص في مجال تخصصهم .

ملاحظة: إن جمع التقديم لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد يطمئن إليه القلب إلا في الحج ، أما في غيره من الأسفار فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع يؤخر صلاة الظهر إلى العصر وصلاة المغرب إلى العشاء .

(1) رسالة الجمع بين الصلاتين في السفر لفضيلة الشيخ مقبل ص 31 .

(2) انظر ترجمة أبي بكر القطيعي في الميزان 1/88 ، وترجمة ابن المذهب في لسان الميزان 2/236 ، ومقدمة ابن الصلاح ص 159 ( مع التقييد والإيضاح ) ، وفتح المغيث 2/106-108 ( تحقيق الشيخ علي حسين علي ) .

(3) الجمع بين الصلاتين في السفر ص 31- 32 .

(5) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ص 156- 159 .

(6) نفس المصدر السابق .

(7) هدي الساري ص 414 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت