فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 113

تعقيبات علمية على شبهات المعارضين

... وننهي الكلام حول حديث قتيبة في جمع التقديم ببعض التعقيبات العلمية التي يستحسن وضعها على نصوص المعارضين من المتأخرين كي تأخذ الموازنة شكلًا علميًا نزيهًا ومتكاملًا ، ويقف القارئ على الفوارق العلمية العميقة التي تفصل بين النقاد وغيرهم في مجال تصحيح الأحاديث وتعليلها ، بحيث تنكشف وجوه الشبهات التي دفعت بالمعارضين من المتأخرين إلى رد آراء النقاد بمنتهى السهولة.

... وقد علمنا مما سبق أن جماعة من النقاد أعلّوا حديث قتيبة بتفرده به ، وحكينا من تصريحات بعض الأئمة ما يؤكد ذلك ، كتصريح البيهقي بقوله:"وإنما أنكروا من هذا رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل"، والذهبي بقوله:"وما علمتهم نقموا على قتيبة سوى ذلك الحديث المعروف في الجمع في السفر". والحافظ ابن حجر بقوله:"وقد اعلّه جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث"، مما يصحح فهم الحافظ ابن رجب واستخلاصه من اصطلاحات النقاد حين قال:

..."وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرّد به واحد وإن لم يروِ الثقات خلافه إنه لا يتابع عليه ويجعلون ذلك علة فيه"، كما نقلنا سابقًا .

... ورغم ذلك فإن أكثر المعارضين ركزوا في ردهم ونقاشهم على قول الحاكم دون تعرضهم لمن سبقه بالتعليل من النقاد ، فلعل ذلك لمبالغته حين حكم عليه بالوضع وإلاَّ فمن سبقه في التعليل أولى بالذكر والرد ، أو ربما أنهم لم ينتبهوا إلى مضمون قولهم"تفرد به فلان"ومقصودهم به الذي ذكرناه أنفًا ، والله أعلم .

... أما التعقيبات على نصوص المعارضين وأدلتهم فلنبدأ فيها بالحافظ ابن القيم - رحمه الله - فيلخص ما ذكره في مناقشته مع الحاكم وردّ دعواه بثلاثة أمور وهي"ثقة الراوي"، و"المتابعة"، و"الشواهد"، وتبعه فيها بقية المعارضين ، إلا أني أخص كلًا منهم بالتعقيبات من غير التكرار ، وذلك حسب مقتضى الأسلوب والأدلة التي ينفرد بها كل منهم .

... نعم إن الحديث إذا توفرت فيه هذه العناصر الثلاثة فلا ينبغي أن يُردّ ويُعلَّ بل يُصحح ويُقبل ، وهذا هو منهج الأئمة النقدة ، فإن المتابعة والشواهد تنفي عن الحديث احتمالات العلّة المتمثلة في الوهم أو الكذب .

... وقد علمنا مما سبق أن الأحاديث التي اعتبرها ابن القيم وغيره متابعات وشواهد ليست مما ظفروا به دون المتقدمين ، بل إنهم حكوها عن النقاد، وحسب المعطيات العلمية التي تتوفر لدينا نجزم أنها لا تصلح للشواهد ولا للمتابعة حيث إنها غير ثابتة عن مصادرها المنسوبة إليها كما سنفصلها ، ولهذا لم يعتبرها من رواها من النقاد بأدنى إعتبار .

... أما العنصر الأول - وهو ثقة الراوي - فلا نزاع فيه بين أحد من النقاد وغيرهم ، بل الحاكم صرح بذلك ، حين قال:"رواته كلهم أئمة ثقات".

... وبما أن صحة الحديث وقبوله - أيًا كان راويه - يقتضي التأكد بخلوه عن وهم الراوي أو تدخل راوٍ أجنبي فيه بقلب الإسناد أو المتن بالزيادة والنقص فإن ثقة الراوي لا توجب صحة حديثه دائمًا ، وهو أمر قد صرح به الحافظ ابن القيم نفسه حين قال:"ثقة الراوي شرط لصحة الحديث وليس موجبه" (1) .

... هذا وقد وضحنا سابقًا خطأ الإسناد والمتن ومصادره وقرائنه وفق مناهج النقاد ورغم كون الرواة ثقات مشهورين .

... العنصر الثاني:

... العنصر الثاني من العناصر الثلاثة التي أشرنا إليها آنفًا هو المتابعة من قبل المُفضَّل ، فقد أورد ابن القيم ما رواه أبو داود في السنن عن يزيد بن خالد الرملي ، عن المفضل ، عن الليث ، عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ ، متابعة لقتيبة إذ قال:

..."فهذا المفضل قد تابع قتيبة ، وإن كان قتيبة أجلّ من المفضل وأحفظ، لكن زال تفرد قتيبه به".

... يريد ابن القيم إزالة تفرد قتيبة بالمتن وإبراء ساحته عن ذمة الغرابة - كما يبدو ذلك جليًا من سياقه - وهو أمر سليم ومتجه في رده على الحاكم في دعواه إذ إن الأمر واضح وجلي أن قتيبة لم ينفرد بإضافة المتن إلى ليث بن سعد بل شاركه فيه مفضل حسب سياقه السابق ذكره (2) .

... أما تفرد قتيبة بسنده بحيث ينبئ بخطأ ووهم وقعا فيه إما من قبل قتيبة أو من خالد المدائني الذي كتب معه الأول - وهو الصواب كما حققنا سابقًا - فلم ينكره ابن القيم بل أقره حين قال:"وإن كان قتيبة اجل من المفضل وأحفظ … ثم أن قتيبة صرح بالسماع فقال حدثنا ، ولم يعنعن فكيف يقدح في سماعه". ...

... وقد حررنا سابقًا أن غرابة المتن إنما وقعت من جهة هشام بن سعد ، وأن غرابة السند هي من قبل قتيبة ، وعليه فإطلاق القول بأن"المفضل قد تابعه قتيبة"غير سليم وإن كان المقصود به اتفاقهما في المتن لكن يبقى بينهما اختلاف في السند ، ولذا فإنه ينبغي أن يقال:"إنه خالفه"حسب اسلوب النقاد .

... وعلى كل فإن الحكم على الحديث بأنه موضوع مردود على الحاكم ، وقد صرح به الحافظ بن حجر (3) ، اللهم إذا أراد به الحاكم سند الحديث فقط لكونه من صنع خالد المدائني ، غير أن السياق يكاد يقطع أنه أراد به الحديث سندًا ومتنًا .

... وإن كان ابن القيم قد استطاع أن يرد على الحاكم في دعواه ، لكنه لم يتمكن من رده على النقاد في إعلالهم لحديث قتيبة من أجل تفرده به ، حيث إنه أضاف الحديث إلى غير مصدره الذي تلقاه منه الليث بن سعد وذلك وهم وخطأ في نظرهم .

... أما موقف بعض المعاصرين المتمثل في القول بجمع الروايتين عن الليث وثبوتها عنه من أجل التفادي عن لزوم تخطئة الثقة في حالة ما إذا تم الترجيح لأحدهما فمردود (4) ، فإن الجمع أو الترجيح إنما يكون حسب ما تقتضيه المعطيات العلمية التي تتوفر لدى نقاد الحديث وذلك أمر واضح وجلي لمن يعي ويتأمل في منهجهم وأقوالهم ، وأما أن يُجمَع أو يُرجح حسب ما يتم له الاختيار العقلي المجرد فليس بمنهجهم .

... وقد ذكرنا سابقًا من المعطيات العلمية ما اقتضى ترجيح الرواية عن الليث ، عن هشام بن سعد ، عن ابن الزبير على رواية قتيبة ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، رغم تقدم قتيبة حفظًا وضبطًا (5) .

... العنصر الثالث:

... وتطرق ابن القيم إلى الشواهد لإزالة الغرابة عن المتن كليًا ، وساق فيها حديث أنس وابن عباس ، وحديثهما صحيحان مشهوران ، فقد جاءا من طرق كثيرة ، غير أنها خالية عن ذكر جمع التقديم الذي هو نقطة الاستشهاد إلاَّ في رواية شاذة استنكرها بعض النقاد .

... أما حديث أنس فقد جاء من طريق عقيل عن الزهري عنه واشتهر به حيث رواه عنه كل من المفضل بن فضالة والليث بن سعد وجابر بن إسماعيل .

... أما المفضل بن فضالة فسمع منه الحديث قتيبة بن سعيد وحسان بن عبد الله الواسطي ويحيى بن غيلان ويزيد بن خالد الرملي ، وهم متفقون لفظًا وسياقًا ، ولم يذكر أحد منهم جمع التقديم ، بل قالوا فيه:"… فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلّى ثم ركب"، وقال يحيى بن غيلان:"ثم ذهب"بدل"ثم ركب" (6) .

... وأما ليث بن سعد فرواه عنه شبابة بن سوار بلفظ"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر آخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما"، هكذا روى عن شبابة عمرو الناقد والحسن بن محمد بن الصباح وعبد الله بن صالح (7) . وهذا الحديث قاطع بمفهومه أنه صلى الله عليه وسلم لا يقدم العصر إذا أراد الجمع .

... غير أن إسحاق بن راهويه خالفهم جميعًا حين قال في حديثه عن شبابه:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل"وهذا مغاير لما ذكره الجماعة بحيث لا يمكن الجمع من حيث المعنى .

... وأما جابر ابن إسماعيل فحدث عن ابن وهب بلفظ"إذا عَجِل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينما ويؤخر المغرب حتى يجمع بينهما وبين العشاء حين يغيب الشفق"هكذا رواه عن ابن وهب أبو الطاهر وعمرو بن سواد ويونس بن عبد الأعلى وسليمان بن داود وبحر بن نصر (8) .

... والمتأمل في هذه الروايات يكاد يجزم أن عقيلًا لم يذكر في حديثه عن الزهري ، عن أنس جمع التقديم ، ويعتبر حديث إسحاق بن راهويه الذي ذكر فيه جمع التقديم شاذًا مردودًا ، إذ إنه أصبح به مخالفًا لجميع أصحاب شبابة بل لما ثبت عن كل من عقيل والزهري وأنس ، أما عقيل فظاهر مما سبق ، و الزهري فقد رواه عنه يونس موافقًا لعقيل بلفظ:"إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخَّر الظهر …"الحديث ، وأما أنس فقد رواه عنه حفص بن عبيد الله بمثل حديث الزهري عن أنس (9) .

... ولهذا استنكره أبو داود على إسحاق بن راهوية حسب ما حكاه الحافظ (10) كما أعله الإسماعيلي بتفرده ، وهو الصواب - وإن رده الحافظ بحجة إنه إمام - لإنه لو كان ذلك محفوظًا ما غفل عنه هذه الطائفة من الحفاظ في طبقته وفي طبقة شيخه كما مرّ أنفًا وما سأل الزهري الذي هو مصدر حديثه سالمًا شيخه عن جميع التقديم لقد سأله عنه فقال: نعم ، لا بأس بذلك ، ألم ترَ إلى صلاة الناس بعرفة .

... ومما يؤيد العلة فيه أن الإمام البخاري والإمام مسلمًا لم يروياه في صحيحهما عندما أخرجا حديث أنس بعديد من الطرق رغم استقلاله بفقه مهم ، ولا استأنس به البخاري في التبويب بل عنون بقوله:"باب إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس على الظهر ثم ركب" (11) وجدير بالذكر أن إسحاق بن راهويه من شيوخ البخاري.

... هذا وقد صرح الحافظ بقوله:"وذكر الظهر فقط هو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة ، ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلاَّ في وقت الثانية منهما" (12) .

(1) تهذيب السنن له 3/273 ( مطبوع مع مختصر سنن أبي داود للمنذري ) .

(2) وقد أشرنا إلى أن الصواب هو المتابعة من الرملي وليس من المفضل ، راجع الصفحة:140 .

(3) التهذيب 5/25 .

(4) كما صنع الشيخ الألباني في كتابه الإرواء 3/30 .

(5) انظر صفحة 140 من هذا البحث .

(6) البخاري في كتاب تقصير الصلاة باب يؤخر الظهر إلى العصر .. ارتحل قبل أن تزيغ الشمس 2/582 ، وفي باب إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب 2/582 -583 ( فتح الباري ) .

-مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر 5/214 ( شرح النووي ) .

أبو داود في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب جواز الجمع بين الصلاتين 1/90 ( الناشر دار الكتاب العربي - لبنان ) .

الدارقطني في كتاب الصلاة باب الجمع بين الصلاتين في السفر 1/390 ( تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني ، الناشر دار المحاسن للطباعة ، القاهرة - سنة 1386) هـ .

(7) أخرجه مسلم 5/214 ( شرح النووي ) والدارقطني 1/389 .

(8) أخرجه مسلم 5/214 ، والبغوي 4/192 -193 ، وأبو داود 1/190 ، والبيهقي 3/161 .

(9) حديث يونس رواه أبو نعيم في الحلية 8/322 ( دار الكتاب العربي ) ، وحديث أنس رواه البخاري 2/581 ( فتح الباري ) .

(10) التلخيص الحبير 2/52 .

(11) فتح الباري 2/582 .

(12) فتح الباري 2/583 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت