فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 113

من المخطئ في السند: قتيبة ؟ أم خالد المدائني ؟

... وقد لاحظنا في نصوص المتقدمين اختلافًا في تحديد المخطئ في السند ، حيث نفهم من نص الإمام البخاري أن خالد بن القاسم المدائني هو الذي قلب الإسناد وجعل رجلًا مكان رجل وأن قتيبة كان بريئًا منه ، ووافقه الحاكم والخطيب والبيهقي وابن حزم ، ولهذا بالغ الحاكم في الحكم عليه بالوضع ، يعني وضعه خالد على الليث بن سعد بإسناد كاذب ، ويأتي بيانه في التعليق على نصوص المتأخرين إن شاء الله .

... بينما كان قول أبي حاتم يدل على أن المخطئ هو قتيبة ، وتداخل عليه حديث في حديث ، وصرح به الحافظ الذهبي حين قال:

..."يرون أن خالدًا المدائني أدخله على الليث وسمعه قتيبة معه ، وهذا يؤدي إلى أن الليث كان يقبل التلقين ويروي ما لم يسمع ، وما لم يسمع ، و ما كان كذلك ، بل كان حجة متثبتًا ، وإنما الغفلة وقعت فيه من قتيبة ، وكان شيخ صدق ، قد روى نحوًا من مائة ألف فيغتفر له الخطأ في حديث واحد": (1) اهـ ، وتبعه الحافظ ابن حجر في التهذيب 8/361 .

... قلت: والأقرب إلى الصواب - فيما أراه - ما قاله الإمام البخاري ، لأن احتمال الخطأ من قتيبة مستبعد إذ إنه مرت عليه فترات تستدعي انتباهه لما يحتمل أن يكون واهمًا فيه وتفرض عليه رجوعه إلى الصواب الذي كان عليه معاصروه من الحفاظ ، لا سيما حين ترك الأئمة الحفاظ على ذلك الحديث من أصوله علامة مما جعل الحاكم يفهم منه أنهم سمعوا ذلك الحديث من قتيبة لغرابة الإسناد والمتن.

... ومع هذا كله لم يكن قتيبة يتردد في صحة ما كتبه عن الليث ، بل إنه كان يعتقد أنه لم يقع من جهته أي خلل في الحديث ، و من هذا الواقع اتجه الإمام البخاري العبقري - رحمه الله تعالى - إلى التأمل فيمن كتب معه الأحاديث عن الليث ، والبحث عنه ، حيث إنَّ وقوع الوهم والخلل من طرفه أمر محتمل جدًا .

... فلما أخبره قتيبة أنه كتب عن الليث مع خالد المدائني ، علم أن ذلك من عمله ، وقال: وكان المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ .

... ولا يلزم منه أي مانع يتنافى مع ليث بن سعد في إمامته وإتقانه وتيقظه وعدم قبوله التلقين لأن مدلول ما ذكره الإمام البخاري ليس كما تأوله الحافظ الذهبي ، وإن كان ذلك متبادرًا إلى الذهن .

... ونص الحكاية:"قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ؟ فقال كتبته مع خالد المدائني ، وقال البخاري: كان المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ".

... وتأولها الإمام الذهبي بما يتبادر منها إلى الذهن وحملها عليه وقال:"يرون أن خالدًا المدائني أدخله على الليث وسمعه قتيبة معه ، وهذا يؤدي إلى أن الليث كان يقبل التلقين ويروي ما لم يسمع ، وما كان كذلك بل كان حجة متثبتًا". اهـ ... إن رواة الحديث لهم عادات مختلفة في تلقي الأحاديث من شيوخهم وكتابتها ، وهي - وأن كانت مذكورة بتفاصيلها في كتب المصطلح - إلا أن هناك بعض الجوانب الخفية يجد التذكير بها لكي يفهم جيدًا من الإشارات التي يقتصر فيها قول النقاد في مجال النقد والإعلال .

... غير أنني أذكر هنا من الحقائق التي لها صلة بمسألة كتابة الحديث ما يوضح مقصود الإمام البخاري بقوله السابق ذكره ويزيل عنه الغموض والشبهة ، وملخصه أن رواة الحديث فيهم من يفضل كتابة الأحاديث وقت سماعها من الشيخ مباشرة ، وفيهم من يؤجلها إلى ما بعد جلسة السماع ، ولكل منهم إيجابيات وسلبيات حسب ما يتمتع به كل منهم من قوة الذاكرة وفرط الاهتمام والتركيز .

... وهؤلاء الرواة الذي يؤجلون الكتابة إلى نهاية الجلسة فيهم من يسارع إلى ناحية ويسجل كل ما سمعه من شيخه قبل الإنصراف ، وفيهم من يكتبه بعد إنصرافه إلى البيت أو إلى بلد آخر ، كما ورد عن البخاري ( رحمه الله ) من قوله:"رُبَّ حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، وربَّ حديث سمعته بالشام كتبته بمصر" (2) .

... وهم صنفان: صنف يعتمد على ذاكرته ويكتب منها بمفرده ، وصنف يكتب مع الآخر الذي يملي عليه (3) .

... وهذا الصنف الذي يعتمد على المملي يتشكل بأكثر من واحد ، وهم يجتمعون عادة بعد نهاية الحلقة ويكتبون سويًا ، وربما يكون المملي متميزًا بالحفظ والضبط والإتقان أو يكون قارئ الحديث على الشيخ أو صاحب نسخة نسخها من أصوله ، أو صاحب رقعة جمع فيها أحاديثه من هنا وهناك .

... فإذا أخطأ المملي أو أدخل في الأحاديث ما لم يسمعوا منه عمدًا إما بقلب الإسناد أو رفع الموقوف أو وصل المرسل ونحو ذلك وقع ذلك في كتبهم إلا إذا استدرك عليه .

... وإذا عرفت هذا فيظهر لك مقصود البخاري أنه سأله عمّن كان يملي عليه ما سمعوه من الليث وكتب معه ، وأنه لم يسأله عمّن كان يقرأ عليه - يعني الليث - وسمع معه منه ، وبينهما فرق شاسع ، وعليه فلا يلزم من صحة ما ذكره البخاري شيء من التناقض مع عادة الليث وإمامته فإن معنى قوله:"يدخل الأحاديث على الشيوخ"يعني في حالة إملائها على زملائه ، وليس ذلك عند القراءة على الشيوخ ، والله أعلم .

... ونظيره ما قاله البرذعي:"قلت لأبي زرعة: رأيت بمصر أحاديث لعثمان بن صالح عن ابن لهيعة يعني منكرة ، فقال: لم يكن عثمان عندي يكذب ولكن يسمع الحديث مع خالد بن نجيح ، وكان خالد إذا سمعوا من الشيخ أملى عليهم ما لم يسمعوا فبُلوا به ، وبُلي أبو صالح أيضًا - يعني كاتب الليث بن سعد عبد الله بن صالح - وكان خالد يضع في كتب الشيوخ ما لم يسمعوا" (4) .

(1) سير أعلام النبلاء 11/23-24 .

(2) هدي الساري ص 487 .

(3) استخلصته من الأمثلة الكثيرة ، منها ما ذكره ابن أبي حاتم في تقدمه الجرح والتعديل 1/248: قال علي - يعني ابن المدائني - ذكرت ليحيى أصحاب شعبة فقال: أنا لا أسمي لك أحدًا ، كان عماتها يمليها عليهم رجل إلا خالد ومعاذ ، قال: كنا إذا قمنا من عند شعبة جلس خالد ناحية ومعاذ ناحية فكتب كل واحد منهما بحفظه وأما أنا فكنت لا أكتب حتى أجئ البيت .

ومنها ما ذكره الفسوي في تاريخه: قال وكيع: ما كتبت عن الثوري حديثًا قط كنت أحفظه فإذا رجعت إلى المنزل كتبته ، ومنها ما ذكره الخطيب في التاريخ 9/25: كان شعبة إذا قام من المجلس أملى عليهم أبو داود . =

=ومنها ما حكاه الحافظ في التهذيب 1/196: قال آدم - يعني ابن ابي إياس -: كنت سريع الخط وكنت أكتب وكان الناس يأخذون من عندي ، ومنا ما ساقه الخطيب في تقييد العلم ص 112: كان الأعمش يسمع من أبي إسحاق ثم يجئ فيكتبه في المنزل .

ومن هنا تصبح الأصول معرضة للأخطاء إلا إذا تحفظ أصحابها واهتم بمراجعتها ومقابلتها مع الأصول الموثوقة ، فقد قيل كتاب فلان صحيح وكتاب فلان فيه خلط .

(4) التهذيب 5/227 ، وسؤالات البرذعي ص 418 تحقيق ( سعدي الهاشمي ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت