الموازنة بين الموقفين
... يمكن لنا أن نستخلص من النصوص السابقة بشكل إجمالي أن نقاد الحديث أعلّوا حديث قتيبة بتفرده به عن الليث رغم وقوفهم على رواية الرملي عنه بمثل حديثه ، غير أن بعض المتأخرين رفضوه بحجة أن قتيبة ثقة ولا يضر تفرده ، وجعلوا رواية الرملي متابعة له .
... وفي الوقفة الأولى عند نصوص المتأخرين يتبادر إلى الذهن سؤال طبيعي: هل النقاد يردّون تفرد الثقة كما يردون تفرد الضعيف ؟ أم أن قتيبة غير معروف عندهم ؟ مما يثير في النفس اهتمامًا بالغًا بالنظر المعمق في نصوص النقدة وملابسات الرواية حتى نقف على دقائق الأمور وخفاياها التي أحدثت في نفوسهم رجحانًا في احتمال الخطأ والوهم في الحديث ، فإن عمل النقاد في تصحيح الأحاديث وتعليلها يمنع منعًا قاطعًا طرح ذلك السؤال في حقهم .
... إذن فلابد في تعليلهم من سرّ سوى تفرد قتيبة إذ لا يستقل بمجرده في برهنته على الوهم ، والمتأمل في نصوصهم بإمعان يظفر بما يرشده إلى حقيقة ذلك السر ونوعيته ، مقتنعًا بأن حجتهم فيه الحفظ والفهم والمعرفة لا غير كما صرح بذلك الحاكم (1) .
... ربما تظل الأمور التي سأذكرها في سبيل توضيح حجتهم في ذلك غير ذات مقنع عند المعارضين ، لاتصالها بعامل ذاتي كثيرًا ما يعلق بنفوس النقاد الجهابذة من جراء ممارستهم لفن الحديث رواية وجمعًا وحفظًا ومذاكرة ونقدًا ، ويظل نزاعنا فيها اغترارًا بظواهر الإسناد ، ساقطًا من علياء الإنصاف العلمي ، ومخالفًا لقاعدة احترام أهل التخصص في تخصصهم .
... وقد استخلصه الحافظ ابن حجر من مناسبة كهذه حين قال:"وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم وقوة بحثهم وصحة نظرهم وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه ، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد".اهـ (2) .
... فأصبح الأمر واضحًا أن المتقدمين أعلوا حديث قتيبة ليس لأنهم لا يقبلون تفرد الثقة ، بل لجملة من القرائن التي تحف بتفرد قتيبة حيث أوقعت في نفوسهم رجحان احتمال الخطأ والوهم في حديثه ، ومن مارس منهج القوم ممارسة طويلة يصبح مقتنعًا بها ومطلعًا على مقتضيات كلامهم اطلاعًا دقيقًا.
... والذي يمكن استخلاصه من نصوصهم هو أن حديث معاذ في صلاة الجمع في أثناء السفر لم يعرفه الحفاظ - على اختلاف عصورهم وبلادهم - من غير طريق أبي الزبير عن أبي الطفيل عنه ، فصار أبو الزبير صاحب هذا الحديث ومصدره ، وإذا وجدوا أحدًا من الرواة يحدث به خلاف ما عرفوا - كأن يضيفه إلى غير أبي الزبير ، أو يرويه بغير سياقه زيادة أو نقصًا - يفهمون أنه خطأ ووهم ، لأن المعرفة حجة لصاحبها ، وبوسعه أن يدرك الأخطاء والأوهام .
... ومن هذا النوع ما ورد عن الأعرج وأبي صالح:"ليس أحد يحدث عن أبي هريرة إلا علمنا أصادق هو أم كاذب" (3) .
... يعني أنهما حفظا جميع ما عند أبي هريرة من الأحاديث بضبط وإتقان ، بحيث لو روى أحد عنه حديثًا لم يكن معروفًا عندهما ليحكمان أنه خطأ ، وفي كتب العلل أمثلة كثيرة تبرهن على أن المعرفة من أهم المقاييس العلمية لإدراك الخطأ والصواب .
... والذي ينظر من هذه الزاوية العلمية الواقعية إلى ما ذكره الإمام الترمذي"والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل ، عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء …"تتبين له القرينة التي استخلص منها النقاد أنه قد وقع في حديث قتيبة خلل ووهم .
... لقد أضاف قتيبة حديث معاذ إلى غير مصدره إذ قال فيه:"عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل"وبغير سياقه إذ إن الحديث الذي يعرفه الحفاظ في عصور مختلفة وفي بلاد مختلفة هو في مطلق الجمع بين الصلاتين - الظهر والعصر ، المغرب والعشاء - فساقه قتيبة مغيرًا لسياقه بذكر جمع التقديم فيه .
... والقرينة التي وضحها الإمام الترمذي هي قرينة علمية مطلقة يصلح أن يبرهن بها على وقوع الخلل والوهم ممن يخالف المعروف من غير تحديد أصحابه وتفصيل نقاطه ، وثمة قرينة أخرى ذكرها أبو حاتم وغيره مما يعطي لنا تحديدًا وتفصيلًا اكثر من الأولى .
... يقول أبو حاتم:"كتنبت عن قتيبة حديثًا عن الليث لم أصبه بمصر عن الليث ، عن يزيد ، عن أبي الطفيل .. لا أعرفه من حديث يزيد بن أبي حبيب ، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث ، حدثنا أبو صالح حدثنا الليث عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير …"إلى آخره .
... وملخصه أن الحديث المعروف عن الليث هو عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ ( الحديث بمثل لفظ قتيبة ) ، وأما ما رواه قتيبة عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب فهو مقلوب ، ذكر فيه"عن يزيد بن أبي حبيب"بدل"عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير"وهمًا وخطأً .
... وهذا كلام دقيق وعلمي ومنطقي ومبني على الفهم والمعرفة ، وليس مجرد الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا كما سمعناه آنفًا من بعض المعاصرين ، وذلك لأنه لو حدث به ليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب وهشام بن سعد لحفظهما جميعًا حفاظ أصحابه وسجلهما كاتبه عبد الله بن صالح في الأصول ، ويستبعد عادة في حالة ما إذا حدث بهما جميعًا أن يحفظ طائفة من الحفاظ طريقًا منهما دون الأخرى وأن يستقل فرد آخر بحفظ ما لم يحفظوا لأن شأن الحفاظ الذين يلازمونه ويحرصون على استيعاب أحاديثه أن يحفظوهما جميعًا لو كان الليث حدث بهما .
... ولذا قال أبوحاتم:"لم أصبه بمصر عن الليث عن يزيد ، لا أعرفه من حديث يزيد ، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث ، يعني أنه لم يصبه عند حفاظ مصر من أصحابه ولا في أصوله ، والذي عندهم هو حديث الليث عن هشام عن أبي الزبير وأن قتيبة إنما تداخل عليه الإسناد وجعله عن يزيد بدلًا عن هشام"
... وهذا هو المعنى لقول أبي سعيد بن يونس:"ويقال إنه غلط ، وإن موضع يزيد بن أبي حبيب أبو الزبير"، وعلى هذا فرواية قتيبة عن الليث عن يزيد ترجع إلى رواية الليث عن هشام بن سعد عن أبي الزبير ، فسقط قول القائل"بأن قتيبة تابعه الرملي ، والليث حدث بهما جميعًا"
... وإذا ضممنا هذه القرينة إلى السابقة وتأملنا فيهما تتضح لنا صور الأوهام وأصحابها بالتحديد ، إذ إنها تدل على أن في الحديث خطأين ، أحدهما في السند والآخر في المتن ، وأن صاحب الخطأ في السند هو قتيبة أو خالد المدائني على اختلاف بين النقاد كما سيأتي تفصيله إن شاء الله ، وخطؤه محصور في إضافة الحديث إلى يزيد بن أبي حبيب ، وصاحب الخطأ في المتن هو هشام بن سعد ، وليس قتيبة فإن الليث حدث به عن هشام .
... أما الخطأ في المتن فإن الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك وسفيان الثوري وعمرو بن الحارث وأبي خيثم زهير بن معاوية وأشعث بن سوار وزيد بن أبي أنيسة وقرة بن خالد وغيرهم على اختلاف بلادهم خالفوا جميعًا هشام بن سعد مع كونه ضعيفًا إلا في حديث زيد بن أسلم .
... وهشام بن سعد إذا تفرد بشيء عمن سوى زيد بن أسلم ينبغي النظر فيه ، فكيف إذا خالفه فيه جماعة من كبار الحفاظ ، لأنه لو كان الحديث عند أبي الزبير كما حدث به هشام عنه ما غفل عنه هؤلاء الحفاظ ، وما أطبقوا عليه .
... ومن هنا يبرز البعد العلمي من قول الحافظ ابن حجر السابق ذكره ، وفهمه الدقيق من نصوص النقاد ، فقد قال الحافظ:"وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل ، وهشام مختلف فيه ،وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمال والثوري وقرة بن خالد وغيرهم فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم"
... وبهذا التقرير ننتهي إلى أن النقاد أعلّوا حديث قتيبة ليس لأن تفرده غير مقبول عندهم بل لجملة من القرائن العلمية التي لا تستقيم إلا في إحساس النقاد ، ولا يسترضي بها إلاَّ من مارس منهج القوم ، وإن حديثه ليس له أصل من حديث معاذ ، والله أعلم .
(1) معرفة علوم الحديث ص 112 ( تحقيق د . السيد معظم حسين ، الناشر: المكتب التجاري للطباعة والتوزيع ، بيروت ) ، وانظر قول العلاّمة عبد الرحمن في ص 85 -86 من هذا البحث .
(2) النكت 2/726 .
(3) تهذيب التهذيب 6/291 .