ثانيًا: نصوص المعارضين من المتأخرين:
... قال الحافظ ابن القيم:"لكن اختلف في هذا الحديث ، فمن مصحح له ومن محسن ومن قادح فيه وجعله موضوعًا - كالحاكم - وإسناده على شرط الصحيح ، لكن رمي بعلة عجيبة ، وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مُسَلّم ، فإن أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبد الله الرملي حدثنا المفضل بن فضالة عن الليث بن سعد (1) ، عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ فذكره".
... فهذا المفضل قد تابعه قتيبة وإن كان قتيبة أجلّ من المفضل وأحفظ لكن زال تفرد قتيبه به ، ثم إن قتيبة صرح بالسماع فقال:"حدثنا"، ولم يعنعن فكيف يقدح في سماعه مع أنه بالمكان الذي جعله الله به من الأمانة والحفظ والثقة والعدالة"."
..."وقد روى إسحاق بن راهويه حدثنا شبابة حدثنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر ثم ارتحل".
..."وهذا إسناد كما ترى ، وشبابة هو شبابة بن سوار ثقة ، المتفق على الاحتجاج بحديثه ، قد روى له مسلم في صحيحه عن الليث بن سعد بهذا الإسناد على شرط الشيخين ، وأقل درجاته أن يكون مقويًا لحديث معاذ، وأصله في الصحيحين ، لكن ليس فيه جمع التقديم".
..."ثم قال أبو داود: وروى هشام عن عروة ، عن حسين بن عبد الله ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث المفضل ، يعني حديث معاذ في جمع التقديم ، ولفظه: عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن كريب ، عن ابن عباس أنه قال: ألا اخبركم عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في السفر ؟ كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال وإذا سافر قبل أن تزول الشمس آخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر". اهـ (2) ، وقال ابن القيم في موضع آخر:"وإسناده - يعني حديث قتيبة - وعلته واهية" (3) .
... ويقول العلاَّمة أحمد شاكر:"وعلل الحاكم بأنه شاذ الإسناد والمتن لانعرف له علة نعلله بها ، وأطال القول في ذلك بما لا طائل تحته ، والحديث ليست له علة ، وقد صححه ابن حبان ، وليس الشاذ ما انفرد به الثقة إنما الشاذ أن يخالف الراوي غيره لمن هو أحفظ منه وأوثق"اهـ (4) .
... ويقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني:"وأنا أرى أن الإسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الستة ، وقد أعلّه الحاكم بما لا يقدح في صحته ، وغاية ما أعلّ به علتان ، الأولى تفرّد قتيبة به أو وهمه فيه ، والأخرى عنعنة يزيد بن أبي حبيب".
..."والجواب عن الأولى أن قتيبة ثقة ثبت كما قال الحافظ فلا يضر تفرده كما هو مقرر في علم الحديث ، وأما الوهم فمردود إذا لا دليل عليه إلا الظن ،و الظن لا يغني من الحق شيئًا ، ولا يردّ به حديث الثقة ، ولو فتح هذا الباب لم يسلم لنا حديث".
..."والجواب عن العلة الثانية فهو أن يزيد بن أبي حبيب غير معروف بالتدليس ، وقد أدرك أبا الطفيل حتمًا فإنه ولد سنة 53 ، ومات سنة 128 ، وتوفي أبو الطفيل سنة 100 ، أو بعدها ، وعمر يزيد حينئذٍ 47 سنة".
..."نعم قد خولف قتيبة في إسناده ، فقال أبو داود حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني ، حدثنا المفضل بن فضالة والليث بن سعد ، عن هشام بن سعد ، عن أبي هريرة ، عن أبي الطفيل به".
..."فتابع قتيبة الرملي لكنه خالفه في إسناده فقال: الليث عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، فإما أن يصار إلى الجمع فيقال: الليث بن سعد فيه إسنادان عن أبي الطفيل ، روى أحدهما قتيبة والأخر الرملي ، ولهذا أمثلة كثيرة في الأسانيد كما هو معروف عند المشتغلين بهذا العلم الشريف".
..."وأما أن يصار إلى الترجيح فيقال: قتيبة أجل وأحفظ من الرملي ، فروايته أصح ، والجمع عندي أولى ، لأنه لا يلزم منه تخطئة الثقة بدون حجة ، لا سيما ولرواية أبي الزبير عن أبي الطفيل أصل أصيل ، ففي موطأ مالك: عن أبي الزبير المكي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، قال: فأخر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا".
..."ومن طريق مالك أخرجه مسلم (7/60) ، وأبو داود (1206) ، والنسائي (1/98) ، والدارمي (1/356 ) ، والبيهقي وأحمد (5/237) ، وأخرجه مسلم وابن ماجة (1070) ، وابن أبي شيبة (2/113/1) ، والطيالسي (1/126 ) ، وأحمد (5/229 ، و 230 ، و 236 ) ، من طرق أخرى عن أبي الزبير به وصرح في بعضها بالتحديث ، وزاد مسلم والطيالسي وأحمد في رواية قلت: ما حملت على ذلك ؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته".
..."قلت: (القائل الشيخ ) وليس في شيء من هذه الطرق عن أبي الزبير ذكر جمع التقديم الوارد في حديث قتيبة ، ولا يضره ذلك لما تقرر أن زيادة الثقة مقبولة ، لا سيما ولم يتفرد به بل تابعه الرملي وإن خالفه في إسناده كما سبق"
..."على أن لهذه الزيادة شاهدًا قويًا في بعض طرق حديث أنس الآتي ، وللحديث شاهد من رواية ابن عباس"، ( ثم ساقها الشيخ مع تخريجاتها ) . اهـ (5) .
(1) وقع في سنن أبي داود ، ( ناشره دار الكتاب العربي ) :"والليث بن سعد"بدل"عن الليث بن سعد"وكذا في تحفة الأشراف للحفاظ المزي ، وقال الشيخ الألباني في الإرواء 3/30 ، بإنه هو الصواب ، ولم ينتبه له ابن القيم في الزاد ، لكن قال البيهقي في روايته عن أبي داود"عن الليث بن سعد"، وذكر محقق سنن الدارقطني: إنه وقع في بعض النسخ من السنن"عن الليث"، وصححه ، والصواب ما حققه الشيخ الألباني .
(2) راد المعاد 1/187 -188 .
(3) إعلام الموقعين 3/25 .
(4) هامش سنن الترمذي 2/442 ( بتصرف ) .
(5) اء الغليل 3/29-34 وللشيخ مقبل بن هادي كلام مثله وتم الإطلاع عليه مؤخرًا ، وهو ضمن رسالة مطبوعة بعنوان"الجمع بين الصلاتين في السفر"، وسيأتي إن شاء الله التعليق عليه في أخر الكلام حول هذا الحديث .