أولًا: نصوص النقاد ومن وافقهم من المتأخرين:
... يقول أبو حاتم:"كتبت عن قتيبة حديثًا عن الليث بن سعد لم أصبه بمصر عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في سفر فجمع بين الصلاتين ، لا أعرفه من حديث يزيد ، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث ، حدثنا أبو صالح حدثنا الليث عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ بن جبل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث" (1) .
... ويقول أبو داود"لم يرو هذا الحديث إلاَّ قتيبة وحده"، كما في سننه ، وكذا نقله الدارقطني (2) ، لكن الحافظ قال:"قال أبو داود هذا حديث منكر وليس في جمع التقديم حديث قائم" (3) .
... ويقول الترمذي:"وحديث الليث عن يزيد عن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل حديث غريب ، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ، رواه قرة بن خالد وسفيان الثوري وغير واحد عن أبي الزبير المكي". ا هـ (4) .
... أما الشافعي فقد قال:"ليس الشاذ من الحديث ما يرويه الثقة ولا يرويه غيره ، ولكن الشاذ ما يرويه الثقة ويخالفه الناس مثل حديث معاذ في غزوة تبوك في الجمع بين الصلاتين". ا هـ (5) .
... وهذا الإمام البخاري يقول:"قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني ،وقال البخاري: وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ" (6) .
ويقول الطبراني:"لا يروى هذا الحديث عن معاذ إلا بهذا الإسناد تفرد به قتيبة" (7) .
ويقول البيهقي:"تفرد به قتيبة عن ليس ، عن يزيد وإنما أنكروا من هذا رواية يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل فأما رواية أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة" (8) .
... ويقول الحاكم:"هذا حديث رواته أئمة ثقات ،وهو شاذ الإسناد والمتن ، لا نعرف له علة نعلله بها ، ولو كان الحديث عند الليث عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل لعلّلنا به الحديث ، ولو كان عند يزيد بن أبي حبيب عن أبي الزبير لعللنا به ، فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولًا" (9) .
..."ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أي حبيب ، عن أبي الطفيل رواية ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل فقلنا الحديث شاذ"
..."وقد حدثونا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي خيثمة حتى عدّ قتيبة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث ، فأئمة هذا الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبًا من إسناده ومتنه ، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر لحديث علّة فنظرنا فإذا الحديث موضوع ، وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون" (10)
... ويقول الخطيب البغدادي:"لم يرو حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل ، عن الليث غير قتيبة ، وهو منكر جدًا من حديثه ، ويرون أن خالدًا المدائني أدخله على الليث وسمعه قتيبة معه ، والله أعلم" (11)
... ويقول أبو سعيد بن يونس:"لم يحدث به إلا قتيبة ، ويقال: إنه غلط ، وإن موضع"يزيد بن أبي حبيب""أبو الزبير" (12) ."
... ويقول الحافظ الذهبي:"ما رواه أحد عن الليث سوى قتيبة ، وقد أخرج عنه في الجمع أبو داود والترمذي ، وأما النسائي فامتنع من إخراجه لنكارته".
... ويقول أيضًا:"وما علمتهم نقموا على قتيبة سوى ذلك الحديث المعروف في الجمع في السفر ، ثم علق على قول أبي سعيد بن يونس قائلًا: فيكون - يعني قتيبة - قد غلط في الإسناد وأتى بلفظ منكر جدًا ن يرون أن خالدًا المدائني أدخله على الليث وسمعه قتيبة معه ، فالله أعلم".
..."قلت: - القائل الذهبي - هذا التقرير يؤدي إلى أن الليث كان يقبل التلقين ، ويروي ما لم يسمع ، وما كان كذلك بل كان حجة متثبتًا ،وإنما الغفلة وقعت فيه من قتيبة ، وكان شيخ صدق ، قد روى نحوًا من مائة ألف ، فيغتفر له الخطأ في حديث واحد". ا هـ (13) .
... أما الحافظ ابن حجر فقد أقرّ علة الحديث حين قال:"والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان من طريق الليث عن يزيد ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ ، وقد أعلّه جماعة من أئمة الحديث بتفرّد قتيبة عن الليث ، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة ، حكاه الحاكم في علوم الحديث ، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، وهشام مختلف فيه ، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرّة بن خالد وغيرهم فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم". اهـ (14) .
... وكذا قال الحافظ في موضع أخر ، وزاد فيه حكايته عن أبي داود:"وهذا حديث منكر وليس في جمع التقديم حديث قائم"، وعن أبي حاتم وأبي سعيد بن يونس قولهما المذكور سابقًا (15) .
... وهذا العلاّمة المعلمي يقر علة الحديث قائلًا:"ومن ذلك إشارة البخاري إلى إعلال حديث الجمع بين الصلاتين بأن قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني وكان خالد يُدخل على الشيوخ" (16) .
(1) العلل 1/91 .
(2) سنن أبي داود 1/190 ، وسنن الدارقطني 1/393 .
(3) التلخيص الحبير 2/52 ( تحقيق د. شعبان محمد إسماعيل ، مكتبة الكليات الأزهرية ) .
(4) يلاحظ أن الإمام الترمذي حسّن ا لمتن دون سنده حين قال:"حديث معاذ حسن غريب وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، حديث غريب والمعروف عند أهل العلم …"إلى آخر ما نقلناه عنه آنفًا ، ولعل ذلك نظرًا إلى ما أشار إليه بقوله"وفي الباب"من الشواهد . وقد أوضحت ذلك بشرح مفصّل في المبحث الرابع ص: 108 وما بعدها .
على أن معظمها لا تتفق مع حديث معاذ في موضوع جمع التقديم الذي استنكروه في رواية قتيبة والذي يتفق منها لم يخل من العلة بسبب التفرّد . وانظر تفصيله في تلخيص الحبير 2/52 ، وتحفة الأحوذي 1/387 .
والجدير بالذكر أن تحسين المتن لا يلزم منه تحسين السند ، إذ أنه صرح بعلته من تفرّد قتيبة عن الليث بما يستغرب سندًا ، وأما الذي وقع في بعض النسخ من سنن الترمذي في آخر الباب"وحديث الليث حسن صحيح"فينقض ما سبق من التعليل ، مع سقوطه في معظم النسخ وهو مما يشكك في ثبوته عن الترمذي ، والله أعلم .
(5) كذا نقله الشيخ الفاضل مقبل بن هادي في رسالته"الجمع بين الصلاتين في السفر"من طبقات الشافعية لأبي عاصم محمد بن أحمد العبادي ص 19 ، والذي يبدو لي أن قوله مثل حديث معاذ إلى آخره من أبي عاصم لأن قول الشافعي في الشاذ نقله كثير من الأئمة كإبن رجب الحنبلي وقبله الحافظ أبي يعلى بدون التمثيل بحديث معاذ ، والله أعلم .
(6) حكاه الحاكم والبيهقي والخطيب ، انظر معرفة علوم الحديث ص 12 ، وسنن البيهقي 3/163 .
(7) المعجم الصغير 1/234 .
(8) سنن البيهقي 3/162 .
(9) يريد الحاكم بهذا العرض - فيما ظهر لي بعد تأمل طويل -: أن العلة تبرز في حديث قتيبة من خلال مخالفته لما كان الليث يحدث به أو شيخه ، ولهذا قال:"ولو كان الحديث عند الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به"، يعني لو كان الحديث عند الليث هكذا لاتضحت العلة لمعرفتنا الخطأ في حديث قتيبة المتمثل في عزوه إلى غير مصدره الذي تلقاه منه الليث""
فإن كان الأمر كذلك فقيه نظر إذ إن المخالفة التي ستتأكد فيما بعد من خلال رواية الرملي وعبد الله بن صالح تكفي لظهور العلة ، وقد أشار أبو حاتم قبل قليل إلى تلك المخالفة ، والله أعلى وأعلم .
(10) معرفة علوم الحديث ص 120 ( بتصرف ) .
(11) تاريخ بغداد 12/467 ( دار الكتاب العربي ) .
(12) حكاه الحافظ الذهبي وغيره ، انظر سير أعلام النبلاء 11/23 ( تحقيق شعيب الأرناؤوط ، مؤسسة الرسالة ) .
(13) سير أعلام النبلاء 11/20 ، 22، 23 ، 24 .
(14) فتح الباري 2/583 .
(15) التلخيص الحبير 2/52 .
(16) انظر ص: 85 من هذا الكتاب .