زيادة الثقة في هذا الحديث
... فإن قيل هذه زيادة من ثقة فهي مقبولة ، كما قال صاحب عون المعبود ؛ إذ قال:"ومع صحة إسناد حديث وائل - كما قال الحافظ في بلوغ المرام - يتعين قبول زيادته ؛ إذ هي زيادة عدل ، وعدم ذكرها في رواية غيره ليست رواية لعدمها ،وقد عرفت أن الوارد زيادة"وبركاته"، وقد صحت ، ولا عذر عن القول بها" (1) . فالجواب أن يقال: أن الزيادة في حديث ما - قوانين مطردة - أشبه بالمسائل الفقهية البحتة ،بينما ليس لأهل الحديث فيها حكم كلي ، بل عملهم في ذلك دائر مع القرائن في كل حديث حديث (2) .
... ولذلك قال الترمذي:"ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث (3) "، وليست الغرابة تقدح بمجرد التفرد ، بل بما يحف ذلك من القرائن أيضًا . ولذلك قال أبو داود:"فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم" (4) ، بينما يقبل تفرد مثل هؤلاء في بعض الأحيان بحسب القرائن حيث لم يقوّ جانب الرد على جانب القبول .
... وأما إذا خلا المقام من المرجحات والقرائن ، فإن النظر ينصب حينئذ إلى الترجيح بقوة الحفظ والإتقان ، ويكون ذلك بمثابة القرينة ، ولذلك قال ابن خزيمة:"لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفاظ ، ولكنا نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خير قبلت زيادته ، فإذا تواردت الأخبار ، فزاد ، وليس مثلهم في الحفظ ، زيادة لم تكن الزيادة مقبولة" (5)
... وعليه فلا يصح جعل هذه الرواية - التي تبين بالقرائن المتقدمة أن راويها خلّط في إسنادها ومتنها - من قبيل زيادة الثقة المقبولة بحال ، والله تعالى أعلم . وفي ضوء ما تقدم يتبين أن من صحح حديث ابن مسعود أو حديث وائل بهذه الزيادة فقد تساهل في ذلك (6) ، والله تعالى أعلم .
(1) عون المعبود3/207 - 208 .
(2) انظر النكت على كتاب ابن الصلاح ، للحافظ ابن حجر 2/604 ،وتدريب الراوي 1/222 .
(3) سنن الترمذي 5/759 .
(4) رسالة أبي داود ، ص 29 .
(5) النكت على كتاب ابن الصلاح 2/689 .
(6) كالشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - ، انظر صفة الصلاة ، ص 187 .