قال ابن عطية بعد أن ذكر القولين:"ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى ، وذلك أن يكون المراد: لم يكن هؤلاء القوم منفكين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يبعث إليهم رسولًا منذرًا تقوم عليهم به الحجة ، وتتم على من آمن النعمة ، فكأنه قال: ما كانوا ليتركوا سدى ، ولهذا المعنى نظائر في كتاب الله تعالى" [1] .
وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام كما تقدم ، وقال:"هو أصح الأقوال لفظًا ومعنىً".
القول الرابع: قال الثعلبي:"قال بعض أئمة أهل اللغة: قوله أي: هالكين ، من قوله: انفك صَلاَ المرأة [2] عند الولادة ، وهو أن ينفصل ولا يلتئم فتهلك ، ومعنى الآية لم يكونوا هالكين أي معذَّبين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتب" [3] .
القول الخامس: اختار ابن جزي أن المعنى: لم يكونوا لينفصلوا من الدنيا حتى بعث الله لهم سيدنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقامت عليهم الحجة ، لأنهم لو انفصلت الدنيا دون بعثه لقالوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ، فلما بعثه الله لم يبق عذر ولا حجة [4] .
القول السادس: قال أبو حيان:"والظاهر أن المعنى: لم يكونوا منفكين ، أي: منفصلًا بعضهم عن بعض ، بل كان كل منهم مقرًا الآخرَ على ما هو عليه ، مما اختاره لنفسه هذا من اعتقاده في شريعته ، وهذا من اعتقاده في أصنامه ، والمعنى أنه اتصلت مودَّتهم واجتمعت كلمتهم إلى أن أتتهم البينة" [5] ، وضعّفه الألوسي [6] .
(1) تفسيره 16/343 .
(2) الصَّلاَ: وسط الظهر ، وقيل: هو ما انحدر من الوركين . انظر: اللسان 4/2491 ، مادة (صلا) .
(3) تفسيره 10/261 .
(4) تفسيره 2/596 .
(5) البحر المحيط 8/494 .
(6) تفسيره 30/203 .