واختاره ابن جرير ، وقال:"وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد حتى تأتيهم البينة ، وهي إرسال الله إياه رسولًا إلى خلقه رسول من الله ، وقوله: في هذا الموضع عندي من انفكاك الشيئين أحدهما من الآخر ؛ ولذلك صلح بغير خبر ، ولو كان بمعنى: ( ما زال ) احتاج إلى خبر يكون تمامًا له ، واستؤنف قوله: [1] وهي نكرة على البينة ، وهي معرفة كما قيل: [2] ، فقال: حتى يأتيهم بيانُ أمر محمد أنه رسول الله ، ببعثه الله إياه إليهم ، ثم ترجم عن البينة ، فقال: تلك البينة ، يقول: يقرأ صحفا مطهرة من الباطل" [3] .
واختاره النحاس أيضًا ، وقال:"ومعنى القول الثاني لم يكن الكفار متفرِّقين إلا من بعد أن جاءهم الرسول ؛ لأنهم فارقوا ما عندهم من صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكفروا بعد البيان ، وهذا القول في العربية أولى ؛ لأن لو كان بمعنى ( زائلين ) لاحتاج إلى خبر ، ولكنْ يكون من انفكَّ الشيء من الشيء أي فارقه ..." [4] .
قال القرطبي:"وعلى هذا فقوله: أي: ما كانوا يسيئون القول في محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى بُعث ، فإنهم كانوا يسمونه الأمين ، حتى أتتهم البينة على لسانه وبعث إليهم فحينئذ عادوه" [5] .
والفراء ذكر القولين الأول والثاني ولم يرجح ، لكن استدل للثاني بقوله تعالى: [6] ، وقد ذكر شيخ الإسلام كما تقدم أن القول الثاني هو قوله ، وكذا ذكره عنه أبو حيان .
القول الثالث: أن المعنى: لم يكونوا متروكين حتى يُرسل إليهم رسول [7] .
(1) سورة البينة: الآية 2 .
(2) سورة البروج: الآيتان 15 - 16 .
(3) تفسيره 12/656 .
(4) إعراب القرآن 5/272 .
(5) تفسيره 20/96 .
(6) انظر: معاني القرآن 3/281 .
(7) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير 8/289 .