قال - رحمه الله - عند هذه الآيات:"فقد قيل إن ( ما ) مصدرية ، والتقدير: والسماء وبناء الله إياها ، والأرض وطحو الله إياها ، ونفس وتسوية الله إياها ، لا بد من ذكر الفاعل في الجملة لا يصلح أن يقدر المصدر هنا مضافًا إلى الفعل فقط فيقال: ( وبنائها ) ؛ لأن الفاعل مذكور في الجملة في قوله: ، فإن الفعل لا بد له من فاعل في الجملة ومفعول أيضًا ، فلا بد أن يكون في التقدير الفاعل والمفعول ، لكن إذا كانت مصدرية كانت ( ما ) حرفًا ليس فيها ضمير ، فيكون ضمير الفاعل في عائدًا على غير مذكور بل إلى معلوم ، والتقدير: والسماء وما بناها الله ، وهذا خلاف الأصل ; وخلاف الظاهر ."
والقول الثاني: أنها موصولة والتقدير: الذي بناها والذي طحاها ، و ( ما ) فيها عموم وإجمال يصلح لما لا يعلم ولصفات من يعلم ؛ كقوله تعالى: [1] ، وقوله: [2] ، وهذا المعنى يجيء في قوله: [3] .
وهذا المعنى كما أنه ظاهر الكلام وأصله هو أكمل في المعنى أيضًا ؛ فإن القسم بالفاعل يتضمن الإقسام بفعله بخلاف الإقسام بمجرد الفعل ، وأيضا فالأقسام التي في القرآن عامتها بالذوات الفاعلة وغير الفاعلة ، يقسم بنفس الفعل كقوله: [4] ، وكقوله: [5] ، [6] ، ونحو ذلك ، وهو سبحانه تارة يقسم بنفس المخلوقات ; وتارة بربها وخالقها كقوله: [7] ، وكقوله: وتارة يقسم بها وبربها ، وفي هذه السورة أقسم بمخلوق وبفعله ; وأقسم بمخلوق دون فعله فأقسم بفاعله ، فإنه قال:
(1) سورة الكافرون: الآيتان 2 - 3 .
(2) سورة النساء: الآية 3 .
(3) سورة الليل: الآية 3 .
(4) سورة الصافات: الآيات 1 - 3 .
(5) سورة النازعات: الآية 1 .
(6) سورة المرسلات: الآية 1 .
(7) سورة الذاريات: الآية 23 .