القول الثاني: أن المعنى: إلا ليقروا لي بالعبودية طوعًا أو كرهًا ، أي: يخضعوا لي ويتذللوا ، فإن العبادة في اللغة: الذل والانقياد [1] ؛ وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - [2] ، واختاره ابن جرير [3] ، والبقاعي [4] .
قال ابن جرير:"فإن قال قائل: فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لأمره ؟ قيل: إنهم تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم ؛ لأن قضاءه جارٍ عليهم ، لا يقدرون من الامتناع منه إذا نزل بهم ، وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به ، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه" [5] .
وقد استدل له الشنقيطي بقوله تعالى: [6] ، والسجود والعبادة كلاهما خضوع وتذلل لله جل وعلا ، وقد دلّت الآية على أن بعضهم يفعل ذلك طوعًا وبعضهم يفعله كرهًا [7] .
وأجاب عنه شيخ الإسلام - كما تقدم - بأن الإقرار بأن الله هو خالقهم أمر فطري لا يبذل كرهًا ، بخلاف الإسلام والخضوع له فإنه يكون كرهًا .
القول الثالث: أن المعنى: إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء ، والآية على هذا القول خاصة بالمؤمنين ، وبه قال زيد بن أسلم ، وسفيان [8] ، ومجاهد [9] ، والضحاك [10] ، واختاره بعض العلماء ، كالفراء [11] ، وابن قتيبة [12] ، والسمعاني [13] .
(1) لسان العرب 5/2778 مادة: عَبَدَ .
(2) أخرجه ابن جرير 11/476 ، وابن أبي حاتم 10/2313 .
(3) تفسيره 11/476 .
(4) نظم الدرر 18/481 .
(5) تفسير ابن جرير 11/476 .
(6) سورة الرعد: الآية 15 .
(7) أضواء البيان 7/672 .
(8) أخرجه ابن جرير 11/476 .
(9) ذكره عنه السمعاني 5/264 .
(10) ذكره عنه السمعاني 5/264 ، وذكره الواحدي في الوسيط 4/181 ، والبغوي 7/245 عن الكلبي .
(11) معاني القرآن 2/89 .
(12) تأويل مشكل القرآن ص282 .
(13) تفسيره 5/264 .