وأيضًا فإن سياق الآية يقتضي أن هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد الله منهم لأن الله خلقه لشيء فلم يفعل ما خلق له ولهذا عقبها بقوله: [1] ، فإثبات العبادة ونفي هذا يبين أنه خلقهم للعبادة ولم يرد منهم ما يريده السادة من عبيدهم من الإعانة لهم بالرزق والإطعام ; ولهذا قال بعد ذلك: [2] ، أي نصيبًا أي: المتقدمين من الكفار ، أي: نصيبًا من العذاب ، وهذا وعيد لمن لم يعبده من الإنس والجن ; فذكر هذا الوعيد عقيب هذه الآية من أولها إلى آخرها يتضمن وعيد من لم يعبده"."
ثم بيّن أن سياق السورة وآياتها من أولها تتضمن أمر الإنس والجن بعبادة الله وطاعته وطاعة رسله ، وعاقبة المخالفين في الدنيا والآخرة ، ثم قال بعد ذلك:"فدل ذلك على أن الله إنما خلق الإنس والجن جميعًا لعبادته".
ثم قال:"فإذا قيل: لم يرد بذلك إلا المؤمنين كان هذا مناقضًا لما تقدم - يعني في السورة - وصار هذا كالعذر لمن لا يعبده ممن ذمه الله ووبخه وغايته يقول: أنت لم تخلقني لعبادتك وطاعتك ولو خلقتني لها لكنت عابدًا وإنما خلقت هؤلاء فقط لعبادتك وأنا خلقتني لأكفر بك وأشرك بك وأكذب رسلك وأعبد الشيطان وأطيعه وقد فعلت ما خلقتني له كما فعل أولئك المؤمنون ما خلقتهم له فلا ذنب لي ولا أستحق العقوبة ; فهذا وأمثاله مما يلزم أصحاب هذا القول وكلام الله منَزه عن هذا".
ثم ذكر القول الثاني في تفسير الآية ، وهو أن الآية عامة ، لكن المراد بالعبادة تعبيده لهم ، وقهره لهم ، ونفوذ قدرته ومشيئته فيهم ، وأن أصارهم إلى ما خلقهم له من السعادة والشقاوة ، وذكر ما ورد عن زيد بن أسلم ووهب بن منبه في هذا المعنى .
(1) سورة الذاريات: الآية 57 .
(2) سورة الذاريات: الآية 59 .