قال - رحمه الله -:"وقوله: قيل: هو مخصوص بمن وقعت منه العبادة ، وهذا قول طائفة من السلف والخلف ، قالوا: والمراد بذلك من وجدت منه العبادة فهو مخلوق لها ، ومن لم توجد منه فليس مخلوقًا لها ؛ وعن سعيد بن المسيب قال: ما خلقت من يعبدني إلا ليعبدني ؛ وكذلك قال الضحاك والفراء وابن قتيبة - وهذا قول خاص بأهل طاعته - ."
قال الضحاك: هي للمؤمنين ... ، وهذا القول اختيار أبي بكر بن الطيب [1] ، والقاضي أبي يعلى وغيرهما ، ممن يقول: إنه لا يفعل لعلّة ، قال: أبو يعلى: هذا بمعنى الخصوص لا العموم ؛ لأن البُلْه [2] والأطفال والمجانين ، لا يدخلون تحت الخطاب وإن كانوا من الإنس ، وكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله: الآية [3] ، فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق للعبادة"."
قال شيخ الإسلام:"هو قول ضعيف مخالف لقول الجمهور ولما تدل عليه الآية ، فإن قصد العموم ظاهر في الآية وبيِّن بيانًا لا يحتمل النقيض ؛ إذ لو كان المراد المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم وبين الملائكة ; فإن الجميع قد فعلوا ما خلقوا له ولم يذكر الإنس والجن عمومًا ، ولم تذكر الملائكة مع أن الطاعة والعبادة وقعت من الملائكة دون كثير من الإنس والجن ."
(1) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر البصري المالكي ، المعروف بأبي بكر الباقلاني ، الأصولي المتكلم ، أوحد وقته ، قال ابن تيمية:"وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده"، من مؤلفاته: الإبانة ، توفي سنة 403هـ . انظر: سير أعلام النبلاء 17/190 ، وشذرات الذهب 3/168 .
(2) جمع أَبْلَه ، وهو من ضعُف عقله ، وغلبت عليه الغفلة . انظر: المعجم الوسيط 1/70 مادة ( بَلَه ) .
(3) سورة الأعراف: الآية 179 .