القول الرابع: قال الواحدي:"ويجوز أن يكون المعنى كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلًا ، ويكون الليل اسمًا للجنس ، وهذا معنى قول سعيد بن جبير عن ابن عباس: كانوا قلَّ ليلةٌ تمر بهم إلا صلوا فيها ، وقال مطرف بن الشخير: قلّ ليلة أتت عليهم هجعوها" [1] .
وما أثر عن ابن عباس ومطرف قد أدرجه ابن جرير وغيره من المفسرين دليلًا للقول الأول .
وقد ذكره شيخ الإسلام - كما تقدم - وضعفه ، وقال:"لأن هجوع الليل محرم ؛ فإن صلاة العشاء فرض".
والظاهر أن مراد ابن عباس - رضي الله عنهما - ومطرفٍ صلاةُ النافلة في الليل ، وليس مطلقَ الصلاة .
والراجح - والله تعالى أعلم - القول الأول ، وهو ما ذهب إليه جمهور المفسرين ؛ لأنه ظاهر الآية ، ويدل عليه سياقها ، حيث وردت في مقام الثناء على المتقين كما رجحه بذلك ابن جرير .
وقد أورد ابن القيم على هذا القول إشكالًا وأجاب عنه فقال:"واستُشْكِلَ هذا بأن نوم نصف الليل وقيام ثلثه ، ثم نوم سدسه أحبُّ القيام إلى الله ؛ فيكون وقت الهجوع أكثر من وقت القيام ، فكيف يثنى عليهم بما الأفضل خلافه ؟".
قال:"وأجيب عن ذلك بأن من قام هذا القيام فزمن هجوعه أقل من زمن يقظته قطعًا ؛ فإنه مستيقظ من المغرب إلى العشاء ، ومن الفجر إلى طلوع الشمس ، فيبقى ما بين العشاء إلى طلوع الفجر ، فيقومون نصف ذلك الوقت ، فيكون زمنُ الهجوع أقلَّ من زمن الاستيقاظ" [2] . ...
سورة الذاريات: الآية 56
قال تعالى: [3] .
اختار شيخ الإسلام أن معنى قوله: إلا لآمرهم بعبادتي .
(1) الوسيط 4/175 ، وقد تقدم تخريج ما أثر عن ابن عباس ومطرف .
(2) التبيان ص181 .
(3) سورة الذاريات: الآية 56 .