فقوله سبحانه: تحقيق أن ما وعدتكم به يكون لا محالة بمشيئتي وإرادتي ؛ فإن ما شئت كان وما لم أشأ لم يكن ; فكان الاستثناء هنا لقصد التحقيق ؛ لكونهم لم يحصل لهم مطلوبهم الذي وعدوا به ذلك العام , وأما سائر ما وعدوا به فلم يكن كذلك" [1] ."
الدراسة:
هذه الآية نزلت في صلح الحديبية ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في المنام أنه دخل مكة ، وطاف بالبيت ، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة ، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة من أصحابه أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام ، فلمَّا وقع ما وقع من الصلح ، ورجعوا عامَهم ذلك على أن يعودوا من قابِل ، وقع في نفس بعض الصحابة - رضي الله عنهم - من ذلك شيء ، فراجعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأعلمهم أنه لم يَعدهم بذلك هذا العام ، وأنهم سيأتونه ويطوفون به ، فنَزلت هذه الآية [2] .
وهذه الآية فيها إشكال ، حيث علَّق الله تعالى وَعْده هذا بالمشيئة التي تقتضى الشك في الأمر ، ومعلوم أن ما أخبر عنه تعالى كائن لا محالة .
واختلف المفسرون في معنى الاستثناء المذكور إلى الآية: على أقوال سبعة:
القول الأول: أن الاستثناء هنا لقصد التحقيق ، أي: إن ما وعدتكم به من دخول المسجد الحرام آمنين يكون لا محالة بمشيئتي وإرادتي ، وهذا كما يقول الرجل فيما عزم على أن يفعله لا محالة: والله لأفعلنَّ كذا إن شاء الله ، لا يقولها لشك في إرادته وعزمه ، بل تحقيقًا لعزمه وإرادته . وهذا رأي شيخ الإسلام كما تقدم ، ووافقه ابن كثير ، وقال:"هذا لتحقيق الخبر وتوكيده ، وليس هذا من الاستثناء في شيء" [3] .
(1) مجموع الفتاوى 7/454 - 457 .
(2) انظر: تفسير ابن جرير 11/367 ، وابن كثير 4/215 ، والدر المنثور 6/79 .
(3) تفسيره 4/215 ، وانظر: تفسير الرازي 28/91 .