وأيضًا: فإن الله ضرب هذا مثلًا لمن أرسل إليه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يحذرهم أن ينتقم الله منهم ، كما انتقم من هؤلاء ، ومحمد إنما يضرب له المثل برسوله نظيره لا بمن أصحابه أفضل منهم ، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا أفضل من الحواريين باتفاق علماء المسلمين ، ولم يبعث الله بعد المسيح رسولًا بل جعل ذلك الزمان زمان فترة كقوله: [1] .
وأيضًا فإنه قال تعالى: [2] ، ولو كانوا رسل رسول لكان التكذيب لمن أرسلهم ، ولم يكن في قولهم: إن أنتم إلا بشر مثلنا شبهة ، فإن أحدًا لا ينكر أن يكون رسل رسل الله بشرًا ، وإنما أنكروا أن يكون رسول الله بشرًا .
وأيضًا فلو كان التكذيب لهما وهما رسل الرسول لأمكنهما أن يقولا: فأرسلوا إلى من أرسلنا أو إلى أصحابه فإنهم يعلمون صدقنا في البلاغ عنه ، بخلاف ما إذا كانا رسلَ الله .
وأيضًا فقوله: صريح في أن الله هو المرسل ومن أرسلهم غيره إنما أرسلهم ذلك ، لم يرسلهم الله كما لا يقال لمن أرسله محمد بن عبد الله أنهم رسل الله ؛ فلا يقال لدحية بن خليفة الكلبي أن الله أرسله ، ولا يقال ذلك للمغيرة بن شعبة ، وعبدالله بن حذافة وأمثالهما ممن أرسلهم الرسول وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل رسله إلى ملوك الأرض ، كما أرسل دحية بن خليفة إلى قيصر وأرسل عبدالله بن حذافة إلى كسرى ، وأرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ، كما تقدم ذكر ذلك .
ومعلوم أنه لا يقال في هؤلاء إن الله أرسلهم ، ولا يسمون عند المسلمين رسل الله ، ولا يجوز باتفاق المسلمين أن يقال هؤلاء داخلون في قوله:
(1) سورة المائدة: الآية 19 .
(2) سورة يس: الآيتان 14 - 15 .
(3) سورة الحديد: الآية 25 .