الأول: أن الإلقاء هو في سمع المستمعين ولم يتكلم به الرسول ، وهذا قول من تأول الآية بمنع جواز الإلقاء في كلامه .
و الثاني: - وهو الذي عليه عامة السلف ومن اتبعهم - أن الإلقاء في نفس التلاوة كما دلت عليه الآية وسياقها من غير وجه كما وردت به الآثار المتعددة ولا محذور في ذلك إلا إذا أُقر عليه ، فأما إذا نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته فلا محذور في ذلك وليس هو خطأ وغلط في تبليغ الرسالة إلا إذا أقر عليه .
ولا ريب أنه معصوم في تبليغ الرسالة أن يقر على خطأ كما قال:"فإذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به فإني لن أكذب على الله" [1] ولولا ذلك لما قامت الحجة به فإن كونه رسول الله يقتضي أنه صادق فيما يخبر به عن الله ، والصدق يتضمن نفي الكذب ونفي الخطأ فيه ، فلو جاز عليه الخطأ فيما يخبر به عن الله وأقر عليه لم يكن كل ما يخبر به عن الله .
والذين منعوا أن يقع الإلقاء في تبليغه فروا من هذا وقصدوا خيرًا وأحسنوا في ذلك ; لكن يقال لهم: ألقى ثم أحكم فلا محذور في ذلك ؛ فإن هذا يشبه النسخ لمن بلغه الأمر والنهي من بعض الوجوه ، فإنه إذًا موقن مصدق برفع قول سبق لسانه به ، ليس أعظم من إخباره برفعه" [2] ."
وقال - رحمه الله - في سياق حديثه عن عصمة الأنبياء:"ولكن هل يَصْدُرُ ما يستدركه الله فينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته ؟ هذا فيه قولان ، والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك ."
(1) أخرجه مسلم 4/1835 ، ح2361 ، كتاب الفضائل ، باب وجوه امتثال ما قاله شرعًا . عن أبي هريرة - رضي الله عنه - .
(2) مجموع الفتاوى 15/190 - 192 .