وقال الزجاج:"فقال: ولا يضره ، وقال: ضره أقرب من نفعه ، معناه الضر بعبادته أقرب من النفع ؛ فإن قال قائل: كيف يقال: أقرب من نفعه ولا نفع من قبله ألبتة ، فالعرب تقول لما لا يكون: هذا بعيد ، والدليل على ذلك قوله تعالى: [1] " [2] .
وقال البغوي:"هذه الآية من مشكلات القرآن ، وفيها أسئلة:"
أولها: قالوا: قد قال الله في الآية السابقة وقال ههنا: فكيف التوفيق بينهما ؟ قيل: قوله في الآية الأولى أي: لا يضره ترك عبادته ، وقوله: أي: ضرُّ عبادته ..." [3] ."
وقال الزمخشري:"فإن قلت: الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في الآيتين وهذا تناقض ، قلت: إذا حصل المعنى ذهب الوهم ، وذلك أن الله تعالى سفَّه الكافر بأنه يعبد جمادًا لا يملك ضرًا ولا نفعًا ، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله أنه يستنفع به حين يستشفع به ، ثم قال يوم القيامة: يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها ، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادَّعاها لها أو كرَّر يدعو كأنه قال: يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ، ثم قال: بكونه معبودًا بكونه شفيعًا" [4] .
وعلى هذا القول يكون القائل في الجملة الأولى هو الله تعالى إخبارًا عن حال الأصنام ، والجملة الثانية هي كلام عبَّاد الأصنام ، يقولون ذلك في الآخرة وأنهم يثبتون له ضرًا بكونهم عبدوه ، وأثبتوا له نفعًا بكونهم اعتقدوه شفيعًا ، فالنافي هنا غير المثبت هنا ، وتَعقَّبه أبو حيان:"بأن الصنم لا نفع فيه ألبتة حتى يقال: ضره أقرب من نفعه" [5] .
(1) سورة ق: الآية 3 .
(2) معاني القرآن وإعرابه 3/415 ، وبه أجاب الواحدي في الوسيط 3/261 ، والبغوي 3/277 ، وابن الجوزي 5/283 .
(3) تفسيره 3/277 ، وهو مأخوذ عن السمعاني 3/425 .
(4) الكشاف 3/27 .
(5) تفسيره 6/331 ، وانظر: أضواء البيان 5/46 .