وفي الصحيحين عن عمرو بن عوف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"والله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوا فيها كما تنافسوا فيها وتهلككم كما أهلكتهم" [1] .
فجعل الدنيا المبسوطة هي المهلكة لهم: وذلك بسبب حبها والحرص عليها والمنافسة فيها وإن كانت مفعولًا بها لا اختيار لها ، فهكذا المدعو المعبود من دون الله الذي لم يأمر بعبادة نفسه إما لكونه جمادًا وإما لكونه عبدًا مطيعا لله من الملائكة والأنبياء والصالحين من الإنس والجن ، فما يدعى من دون الله هو لا ينفع ولا يضر ، لكن هو السبب في دعاء الداعي له وعبادته إياه ، وعبادة ذاك ودعاؤه هو الذي ضره فهذا الضر المضاف إليه غير الضر المنفي عنه فضرر العابد له بعبادته يحصل في الدنيا والآخرة ..." [2] ."
الدراسة:
هذه الآية فيها إشكال ، وذلك أن الضرَّ والنفع منفيان عن الأصنام في الآية الأولى مثبتان في الآية الثانية ، وقد اختلف المفسرون في التوفيق بينهما ، وإليك أشهر الأقوال في توجيه هذه الآية:
قال السُّدي:"في قوله: إن عصاه في الدنيا"
إن أطاعه ، وهو الصنم يقول: ضره في الآخرة من أجل عبادته إياه في الدنيا" [3] ، واختاره ابن جرير [4] ."
(1) أخرجه البخاري 6/310 ح3158 ، كتاب الجزية والموادعة ، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة ، ومسلم 4/2273 ح2961 ، كتاب الزهد والرقائق ، عن عمرو بن عوف الأنصاري - رضي الله عنه - .
(2) مجموع الفتاوى 15/269 - 275 .
(3) ذكره في الدر 4/624 ، وعزاه لابن أبي حاتم ، وهو قول ابن جرير 9/415 .
(4) تفسيره 9/417 .