فيا أيُّها الثَّقلانِ مِن بني الأنسِ والجانِّ انظروا إلى هذا الزَّمان زمانَ شرٍ وَطغيانِ نَشُكوا الغلاءَ وضيقَ المعاشِ والهوانِ، ولا نلتفِتُ إلى ما يصدُرُ مِنَّا من الذُّنُوبِ والعصيان، قد انتهتِ أشراطُ السَّاعةِ إلى نهايتِها، ولم تبقَ علامةٌ من عَلاماتِ القيامةِ إلاَّ بلَغَتَ أقصاهَا كما أخبرَ بها سيِّدُ الأنسِ والجانِّ: اتُّخذتْ الأمانةُ مغنمًا، والزَّكاةُ مغرمًا، ولُبِسَ الحريرُ، وكَثُرَ الشَّريرُ، وأطاع الرَّجلُ زوجَهُ، وبرَّ صدِيقَهُ، وجفا أباه وأمَّه، وقُطِعَتِ الأرحام، وَظُلمت الأيتام، وَبَلَغتُ الحُفَاةُ العُراةُ العَالةُ رِعَاءُ الشّاءِ يَتَطاولون في البنيان، قَلَّتِ الدِّيانه، ورُفِعَتِ الأمانة، وقبضَ العِلمُ بموتِ العُلماءِ، والتُمِسَ العِلمُ عِندَ الأصاغرِ والجهلاءِ، وارتفع الصِّدقُ، وكَثُرَ الكذبُ، وانهمَكْنا في الذُّنُوبِ والطُّغيان، تدابرنا وتحاسدنا وتباغضنا وتنافسنا، وكَثُرِ فينا الرّياء، وآكل الرِّبا، وارتكاب الزّنا، وسَمَعُ المزامير والغنا، وشربت الخمور بالسِّرِّ والإعلان.
فواللهِ لولا حرمةُ سيِّدِ بني عدنان لَغَضَبَ علينا الرَّحمن، وخَسَفَ بِنَا المكان، وَنَزَلَ بنا القذفُ والمسخُ والخسفُ والزَّلاَزِلُ والهَوَان، ولولا مشايخٌ رُكَّعٌ، وَّصِبيان رُضَّعٌ، وبهائِم رتَّعُ؛ لعوقِبنا بإحراقِ النِّيرانِ، فَعَلَيكُم بالتَّوبةِ بخلوصِ النِّيةِ، والتَّضَرُّعِ إلى الله بِصِدقِ الطَّويَّه، لَعَلَّ اللهَ يرحمنا، ويغفرُ ذُنوبَنا، ويدخِلُنا دَار الجِنَانِ، ولا تغتروُّا بحلمِ اللّهِ وَرَحمتِهِ؛ فإنَّه تعالى شديدُ البطشِ قويُّ الأخذِ لا يعجزُهُ شيءٌ دون شيءٍ، كُلَّ يومٍ هو في شأنٍ، ولا تقنطوا من رَّحمتِهِ إنَّه يغفرُ الذُّنُوبُ جميعًا، إنَّه هو الغفورُ المنَّان،