القبرُ روضةً من رياضِ الجنَّةِ أو حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النَّار ذَاتِ الوقودِ والشَّرارَةِ، فَمَنَ صَلُحتْ أعمالُهُ فُتحتْ له فيها أبوابُ الجَنَّةِ، ووسعَ له مضجعَهُ إلى أقصى الغايةِ، ومَن خبُثتْ أفعالُهُ، وَقَعَ في العذابِ والنِّكايَّة، تُحِيطُ بِه العقَارِبُ والحيَّاتُ، وَتفتحُ له أبوابُ النَّارِ ذَاتَ الطَّبَقاتِ، وَيَمزقُ كُلَّ مُمزقٍ، وَيفُرَّقُ كُلَّ مُفرَّقٍ، فعند ذلكِ يتحسرُ، ولا تنفعَهُ الحسرةُ، ويتوبُ ولا تفيدُهُ الإنابه، وقد ورد في الخبر عن سيدِ البشر: (أنَّ القَبْرَ أوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنازِلِ الآخِرَةِ، فَمَنْ نَجَا مِنهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَمَنْ هَلَكَ فِيهِ وَقَعَ في الغواية) (1) .
(1) أخرجه الترمذي في سننه (4: 553) برقم (2308) . وابن ماجه (2: 1426) برقم (4267) . وأحمد في مسنده (1: 63) برقم (454) . والحاكم في المستدرك (1: 526) برقم (1373) ، و (4: 366) برقم (7943) . والبيهقي في السنن الكبرى (4: 56) برقم (6856) . وفي مسند الشهاب (1: 172) برقم (248) . وفضائل الصحابة (1: 475) برقم (774) . ولفظه عند الترمذي: عن هانئ مولى عثمان، قال: كان عثمان إذا وقفَ على قبرٍ بكى حتَّى يبلَّ لحيته، فقيل: له تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن القبرَ أول منازل الآخرة، فإن نجا منه، فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد منه، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيت منظرًا قطُ إلا القبرَ أفظعُ منه) . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.