أما فيا أهلَ الفهمِ والدِّرايةِ؛ انظروا إلى انقِلابِ الزَّمان وَتَقَلب الدَّورانِ، كُلْمَا مَضَتْ لَمْحَةٌ نَقَصَ عُمْرُكم وقَرُبَ أجلُكم، فما هذا الانهماكِ في الجناية! تفكَّروا فيما إذا لَحِقَ بِكم الموتُ وَضَرَبَ عليكم طَبْلُ الفوتِ فوقعتم في الوصايةِ، تَدبَّروا فيما إذا تعجَّلَ أحبابُكم في تدفينكم، وأصحابُكم في تكفينكم كأن لم تكنْ بينكم وبينهم مَوَدَةٌ ولا رعايةٌ، يذهب معكم إلى مَضْجَعِكُم ثلاثةٌ: الأموالُ، والأولادُ، والأعمالُ، فيرجعُ اثنانِ ويبقى الثَّالثُ قرينًا بكم ناصبًا للرَّايةِ، فأنَّ كانت حَسَنَةً فطوبى لكم، وإن كانت سيئةً وقعتُم في الكُنَاسَة، كيف بكم إذا سألكم النِّكِيرانِ عن ربِّكُم، وعن دِينكِمُ، وعن نبِيِّكُم؟ فتفَكَّروا فيما تُجِيبونَهُما بِه، فإن أجبتُم بالصَّوابِ فَنعمَّا هو، وإن زلَّ لسانِكُم وقعتُم في حُفْرَةِ الهلاكةِ، كيف بِكم إذا ضغط بِكم القبرُ ضغطةً، تختلفُ مِنها أضلاعُكم، وأظلمت عليكم قبوركم، فوقعتم في الحَسْرَةِ والنَّدامةِ؟