وسبحان الذي أوجب على نفسه نصر المؤمنين وجعله لهم حقا، فضلا وكرما. وأكده لهم في هذه الصيغة الجازمة التي لا تحتمل شكا ولا ريبا. وكيف والقائل هو اللّه القوي العزيز الجبار المتكبر، القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير. يقولها سبحانه معبرة عن إرادته التي لا ترد، وسنته التي لا تتخلف، وناموسه الذي يحكم الوجود.
وقد يبطئ هذا النصر أحيانا - في تقدير البشر - لأنهم يحسبون الأمور بغير حساب اللّه، ويقدرون الأحوال لا كما يقدرها اللّه. واللّه هو الحكيم الخبير. يصدق وعده في الوقت الذي يريده ويعلمه، وفق مشيئته وسنته. وقد تتكشف حكمة توقيته وتقديره للبشر وقد لا تتكشف. ولكن إرادته هي الخير وتوقيته هو الصحيح.
ووعده القاطع واقع عن يقين، يرتقبه الصابرون واثقين مطمئنين [1] .
وقال - عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (7) سورة محمد
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن تنصروا دين الله بالجهاد في سبيله، والحكم بكتابه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ينصركم الله على أعدائكم، ويثبت أقدامكم عند القتال.
وقال - تبارك وتعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (51) سورة غافر
يقول الله تعالى، إنه سيجعل رسله هم الغالبين لأعدائهم ومعانديهم، وإنه سينصر معهم المؤمنين بهم في الحياة الدنيا، وذلك يكون بالطرق التالية:
-إما بجعلهم غالبين على من كذبهم، كما فعل بداود وسليمان ومحمد، عليهم السلام .
-وإما بالانتقام ممن عاداهم وآذاهم، وإهلاكه إياهم، وإنجائه الرسل والمؤمنين، كما فعل بنوح وهود وصالح وموسى ولوط .
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 2774)