وهذا القمر. وهذه النجوم والكواكب. وهذه الرياح والسحب. وهذا الهواء وهذا الماء .. وهذه الجبال.
وهذه الوهاد .. كلها .. كلها .. تمضي لشأنها، بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة. لقد أشفقت من أمانة التبعة. أمانة الإرادة. أمانة المعرفة الذاتية، أمانة المحاولة الخاصة.
«وحملها الإنسان» .الإنسان الذي يعرف اللّه بإدراكه وشعوره. ويهتدي إلى ناموسه بتدبره وبصره. ويعمل وفق هذا الناموس بمحاولته وجهده. ويطيع اللّه بإرادته وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته ونزغاته، ومجاهدة ميوله وشهواته .. وهو في كل خطوة من هذه الخطوات مريد. مدرك. يختار طريقه وهو عارف إلى أين يؤدي به هذا الطريق! إنها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول، المحدود العمر الذي تناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع ..
وإنها لمخاطرة أن يأخذ على عاتقه هذه التبعة الثقيلة. ومن ثم «كان ظلوما» لنفسه «جهولا» لطاقته. هذا بالقياس إلى ضخامة ما زج بنفسه لحمله. فأما حين ينهض بالتبعة. حين يصل إلى المعرفة الواصلة إلى بارئه، والاهتداء المباشر لناموسه، والطاعة الكاملة لإرادة ربه. المعرفة والاهتداء والطاعة التي تصل في طبيعتها وفي آثارها إلى مثل ما وصلت إليه من سهولة ويسر وكمال في السماوات والأرض والجبال .. الخلائق التي تعرف مباشرة، وتهتدي مباشرة، وتطيع مباشرة، ولا تحول بينها وبين بارئها وناموسه وإرادته الحوائل. ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء .. حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة، وهو واع مدرك مريد. فإنه يصل حقا إلى مقام كريم، ومكان بين خلق اللّه فريد.
إنها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة .. هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق اللّه. وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه اللّه في الملأ الأعلى، وهو يسجد الملائكة لآدم. وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول: «وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ» .. فليعرف الإنسان مناط