-وإن من الخطر أن يقرأ بعض الشباب الحديث فلا يعرف متى قيل هذا الحديث ولا لمن قيل ولا الحالة التي قيل فيها، وقد يقرؤه مترجمًا فتكون الترجمة غير صحيحة أوصحيحة ولكنها دون روح وفهم لجوهر الحديث، وهذا بالطبع له نتائجه الخطيرة على الفرد وعلى المجتمع.وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِى سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِى رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: هَلْ تَجِدُونَ لِى رُخْصَةً فِى التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ. فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْبِرَ بِذَلِكَ قَالَ: « قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلاَ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ » [1] .
-وإنه مما يدهش ويُحزن أن نجد بعض الدعاة يجترئون على الفتوى في أخطر القضايا، وإصدار الأحكام في أهم الأمور دون أن تكون عنده مؤهلات الفتوى، ودون دراية بأحوال المجتمعات وظروفها المختلفة، هذا مع أن الصحابة - رضوان الله عليهم -كانوا يتورَّعون من الفتوى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ:"أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا إِلَى هَذَا، وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ" [2] ..
-إن تربية الناس وتبصيرهم يحتاج إلى فقه دقيق ويستحيل على الداعي أن يحصٍّل الفقه إذا كان تلميذ كتاب، فهو في هذه الحالة يجمع السطور ويحفظ المتون، ولكي يكون ذا فقه فلا بد من فقيه يرشده، وفي المثل: من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه .
-إنَّ التلقي عن ذوي الخبرة يعصم من الزلل ويحمي من الأخطار التي قد تصيب الفرد والمجتمع بسبب عدم الفهم والوعي. فالعلماء وذووالخبرة مصابيح تنير لمن بعدهم الطريق وتنقل لهم الطريقة الصحيحة في الدعوة، لذا لا بد كذلك من احترامهم أشدّ الاحترام، فإن الناس دونهم في ضلال وتخبط عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ،
(1) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (1 / 227) (1115) حسن
(2) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (655 ) والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي - (632) صحيح