قَدْ جَلَدَهُ فِى الشَّرَابِ، فَأُتِىَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ.فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: « لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » [1] .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: اضْرِبُوهُ.قَالَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا الضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ.قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لاَ تَقُولُوا هَكَذَا، لاَ تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ، وَلَكِنْ قُولُوا: رَحِمَكَ اللَّهُ. ( رواه البخاري ) [2] .
وفي رواية قَالَ فِيهِ بَعْدَ الضَّرْبِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لأَصْحَابِهِ « بَكِّتُوهُ » . فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ مَا خَشِيتَ اللَّهَ وَمَا اسْتَحَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ أَرْسَلُوهُ وَقَالَ فِى آخِرِهِ « وَلَكِنْ قُولُوا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ » . وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ الْكَلِمَةَ وَنَحْوَهَا [3] .
-ومن الأمثلة على ذلك أيضًا موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع عمار بن ياسر - رضي الله عنه - حين أُكره على سبه والتلفظ بالكفر.فعَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ثُمَّ تَرَكُوهُ فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « مَا وَرَاءَكَ؟ » . قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ. قَالَ: « كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ » . قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: « إِنْ عَادُوا فَعُدْ » [4] .!
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -"كيف تجد قلبك ؟"دلالة على أهمية صيانة الفكر من أن يتطرق إليه شيء من الشبهات التي يثيرها الكفار .
إن هؤلاء المعذبين قد استطاع الكفار أن يثخنوا في أجسادهم وأن يُلجئوا بعضهم إلى قول مالا يعتقدون , ولكنهم لم يستطيعوا أبدا أن يهيمنوا على عقولهم وأفكارهم .
(1) - صحيح البخارى (6780 )
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (3 / 185) (7985) 7973- وصحيح البخارى- المكنز - (6777 )
(3) - سنن أبي داود - المكنز - (4480 ) صحيح - بكت: وبخ
(4) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (8 / 208) (17350) والحلية برقم (449 ) صحيح لغيره