وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها. وهي قلقة حائرة، شاردة في متاهات المادية، وجحيم الحروب، وجفاف الأرواح والقلوب [1] ..
-النفوس جُبِلَتْ على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، والداعي الحكيم هوالذي يوفقه الله - تعالى - إلى أقفال القلوب فيفتحها ويتعامل معها برفق مقدِّمًا لها كل مشاعر الحب، حينئذٍ تلين القلوب القاسية .
-يقول الإمام الغزالي - رحمه الله:"لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه" [2] .
وذكر أن رجلًا دخل على المأمون الخليفة العباسي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، فأغلظ له القول وقسا في التعبير، ولم يُراعِ أن لكل مقامٍ مقالًا يناسبه، وكان المأمون ذا فقه فقال له: يا هذا، ارفق، فإن الله بعث من هوخير منك إلى من هوشرٌّ مني، وأمره بالرفق: بعث موسى وهارون وهما خير منك إلى فرعون وهوشر مني، وأوصاهما بقوله: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (44) سورة طه، وبهذا حاجَّ المأمونُ ذلك الرجلَ فلم يجد جوابًا [3] .
-الكلمة الطيبة في نظر الإسلام كائن حيٌّ له تأثيره الطيب على الناس كل الناس، لذلك أخبر الرسول - - صلى الله عليه وسلم - - أن الكلمة الطيبة صدقة، وليس المهم توصيل الحقيقة إلى الناس فقط، ولكن الأهم الأسلوب والطريقة التي تصل بها، فإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول:"زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ" [4] .، لكي يتشوق السامع وينجذب إليه فيؤثر فيه، فكيف كلام البشر وكلام الداعية ؟ ألا يحتاج إلى تزيين ؟ ؟
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2401)
(2) - إحياء علوم الدين - (2 / 169) والبرهان المؤيد - (1 / 105) والمدخل لابن الحاج - (1 / 300)
(4) - صحيح ابن حبان - (3 / 26) (750) صحيح