ولم تكن الدعوة الإسلامية في هذا العهد محصورة بأناس معيّنين، ولا دعاة مخصوصين، وإنما كان كل فرد في الأمة تقريبا يشعر بواجب الدعوة عليه، فيعمل على نشر الإسلام وتمكينه في الأرض.
وانتشرت في الأمة حلقات العلم والتعليم، وأقبل الناس على العلماء والقصاص والوعاظ، واشتهر من العلماء كثير من أمثال"الحسن البصري"- رضي الله عنه - وغيره من كبار التابعين.
كما اشتهر من القصاص والوعاظ أمثال: عبيد بن عمرو الليثي، ومسلم بن جُنْدب الهذلي، وسُلَيم بن عِتْر التُجيبي، وكان الوعظ والقصص على مستوى عالٍ من العلم والانضباط، ثم ضعف أمره، وتصدى له الجهلة، يقول الإمام ابن الجوزي - رحمه الله:
"كان الوعاظ من قديم الزمان من العلماء الفقهاء، وقد حضر عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - مجلس (عبيد بن عمرو) ، وكان عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يحضر مجلس القاصّ مع العامة بعد الصلاة، ويرفع يديه إذا رفع، حتى إذا خّسّت هذه الصناعة، تعرّض لها الجهال، فأعرض عن الحضور المميزون من الناس، وتعلق بهم العوام، فلم يتشاغلوا بالعلم، وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلة" (1) .
كما نشطت الحركة العلمية اللغوية في هذا العهد حفاظا على لغة القرآن الكريم من التأثر باللغات الأخرى، وانتشار اللحن بسبب الخلطة بالعجم، وكان من أبرز هذه الأنشطة وضع أبي الأسود الدؤلي - رحمه الله - لحركات وسكنات المصحف الشريف.
(1) انظر"كتاب القصاص والمذكرين"لابن الجوزي ص 22.