أنا كنت أقول: قبل خمسين عامًا سوف أرمز للحق باللون الأبيض الناصع، وسوف أرمز للباطل باللون الأسود الداكن، وسوف أرمز لما بينهما حق وباطل باللون الرمادي فقبل خمسين عام مساحة الرمادي كبيرة جدًا بيئتنا، أهلنا، ليسوا ملتزمين تامًا، وليسوا منحرفين تمامًا وسط، معظم الناس هكذا كانوا، لكن الآن الشيء الجديد أن اللون الرمادي اختفى، إما أن تجد إنسانًا عقيدته سليمة، سلوكه منضبط، مندفع إلى الدار الآخرة، أو تجد إنسانًا إباحيًا، أو الشباب أمل الأمة، هؤلاء هم المستقبل، معرضون الآن إلى تطرفين تطرف تشددي التكفير، ثم التفجير، وتطرف تفلتي، إلغاء القيم والإباحية.
فيقول عليه الصلاة والسلام:
(( حتى تصير على قلبين ) )
[مسلم عن حذيفة بن اليمان]
كل هذه الملايين المملينة:
(( تصير على قلبين: أبيضَ مثل الصَّفا، فلا تَضرهِ فتنة، مادامت السماوات والأرضُ، والآخر: أسود مُرْبادا ـ يعني شدة البياض في سواد ـ كالكوزِ مُجَخِّيا ) )
[مسلم عن حذيفة بن اليمان]
الكوز أي الإناء مقلوبًا على فمه، الآن إذا كان قلبته على فمه هل يقبل شيء؟ أي شيء تصبه عليه لا يقبله.
(( كالكوزِ مُجَخِّيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أُشرب من هواه ) )
[مسلم عن حذيفة بن اليمان]
أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يصف الفتن الماحقة، الفتن الكبيرة، التي هي كقطع الليل المظلم، أن هذه الفتن تفرز الناس إلى زمرتين، زمرة مثل الصفا، بياض، وصفاء، وطهر، ونقاء، واستقامة، وورع، وإقبال، وزمرة ثانية والعياذ بالله لا يقيم على خير، لا يفرق بين الحلال والحرام، ولا بين الخير والشر.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ ـ صُعق الصحابة ـ قالوا: يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: نعم وأشد منه كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفًا والمعروف منكرًا ) )
[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة]