أحيانًا تأتي الدنيا من كل أبوابها، هذه الدنيا تغر، وتضر، وتمر، وتكون حجابًا كثيفًا بين العبد وربه، وأحيانًا تأتي الضغوط، تأتي المشكلات، يأتي التضييق، تأتي الشدة، فيكون هذا باعثًا إلى أبواب الله، باعثًا إلى عبادة الله، باعثًا إلى الصلح مع الله، فالمؤمن يستسلم للقضاء والقدر، والقضاء والقدر نظام التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، يستسلم بعد أن يأخذ بكل الأسباب، فإذا أخذ بكل الأسباب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، أخذ بكل الأسباب ووصلوا إليه، إلى غار ثور، فلما وصلوا إليه استسلم، وقال:
(( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) ).
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك] .
يعني خذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء.
(( ولكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ) ).
[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء] .
(( فلا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل فإن ' لو ' تفتحُ عَمَلَ الشيطان ) ).
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة] .
إذًا:
(( لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم إني أعوذ بك من شر ما أعطيتني ) ).
[أخرجه أبو داود الطيالسي عن أُبيّ بن كعب] .
قد يعطي الدنيا فتبتعد عنا رحمة الله، وشر ما منعت عنا، وقد يمنعنا من الدنيا وقد نقع في اليأس، وسوء الظن بالله، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:
(( اللَّهمَّ إِني أَسألك فعلَ الخيراتِ، وترك المنكراتِ، وحُبَّ المساكين، وإذا أردت بقومٍ فِتنَة فَاقبِضْني إليك غير مفتون ) ).
[الترمذي عن ابن عباس مرفوعًا]
المصيبة الكبيرة أن يفتن الإنسان بالدنيا ثم يقبض وهو مفتون.