و"الغني"أيضًا هو الذي يغني من يشاء من عباده بحكمته، وأي غني سوى الله فغناه نسبي، مقيد، مجازي، لا غني على الحقيقة إلا الله، أما غنى الحق جلّ جلاله فهو غنىً كامل ومطلق، ومهما بلغ المخلوق في غناه.
كان هناك أحد أكبر أغنياء بريطانيا، دخل إلى غرفة أمواله، فالباب أغلق عليه خطأ، وكان كثير الأسفار، فظنه أهله أنه مسافر، بدأ يصرخ ويصرخ إلى أن أشرف على الموت، فجرح إصبعه، وكتب بدمه على الحائط: أغنى إنسان في بريطانيا يموت جوعًا وجوده ميتًا في غرفة أمواله.
ملكية الله عز وجل ملكية مطلقة:
الإنسان فقير، فقير إلى شربة ماء، يا أمير المؤمنين! بكم تشتري هذا الكأس إذا منع عنك؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه؟ قال: بنصف ملكي الآخر.
أنت وكل ما تملك رهن كأس ماء، مهما بلغ المخلوق في غناه، فهو فقير إلى الله، لأنه المنفرد بالخلق والتقدير، والملك والتدبير، هو المالك لكل شيء، خلقًا، وتصرفًا، ومصيرًا، ملكية مطلقة، خلقًا، وتصرفًا، ومصيرًا.
قد تملك دولة طائرة، تبيعها إلى دولة أخرى، الآن المالك الحقيقي هو الثاني، لكن قد تمتلك بيتًا، ملك رقبة، وقد تسكنه، وتملكه ملك منفعة، ولكن مصيره ليس إليك، إما أن يصادر، أو أن تنظم المنطقة فيؤخذ بطريق، أو أن يموت الإنسان ويتركه، أو أن يضطر إلى بيعه، آتي بأمثلة دقيقة:
ملكية الله عز وجل ملكية مطلقة، خلقًا، وتصرفًا، ومصيرًا، يعطي من يشاء ما يشاء من فضله، ويقسم لكل مخلوق ما يخصه من حياته ورزقه، عطاؤه لا يمتنع، ومدده لا ينقطع، وخزائنه ملأى، ولا تنفذ:
(( يدُ الله ملأى، لا يَغيضُها ـ أي لا ينقصها ـ نفقة سحَّاء ـ مستمرة، دائمة ـ الليل والنهار ـ يعني طوال الليل والنهار ـ و قال: أَرَأَيتم ما أنْفَقَ منذُ خلق السماء والأرضَ؟ فإنه لم يَغض ـ أي لم ينقص ـ ما في يده، وكان عرْشُه على الماء، وبيده الميزانُ، يَخفِضُ ويَرفَعُ ) )
[متفق عليه عن أبي هريرة]