فهرس الكتاب

الصفحة 1240 من 1922

شيء آخر، قال مالك بن دينار: كان لي جار يتعاطى الفواحش الكثيرة وجيرانه يتأذون منه، ويمقتونه، فشكوا إليّ، فأحضرناه، ونصحناه، إما أن تتوب، وإما أن ترحل، فأبى أن يفعُ واحدة منهما، قلنا له نشكوك إلى السلطان، قال: السلطان يعرفني، قلنا ندعو الله عليك، فقال: اللهم أرحم بي منكم، فغاظني ذلك، فلما أمسيت قمت وصليت ودعوت عليه، فوقع في قلبي هاتف، لا تدعو عليه، ادعُ له.

كلما ارتقى إيمانك تدعو للآخر، ولا تدعُ عليه، بل ادعُ له بالتوفيق، يعني النبي عليه الصلاة والسلام حينما كُذب بالطائف، وحينما أغرى أهل الطائف صبيانهم أن يضربوه، وسال الدم من قدمه الشريفة وجاءه جبريل، وقال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده.

من خلق الإيمان أن تدعو للناس بالهداية، يبدو أن هذا الشاب تاب توبة نصوحة وعاد إلى الله، واتفق أن رآه الذي دعا عليه أولًا، ثم دعا له بالتوفيق، أن رآه في موسم الحج يطوف ويبكي.

التلطف و العطف و الشفقة مع العصاة أفضل ألف مرة من الشتم و الضرب و التعنيف:

هناك قصة لها مغزى ومؤثرة، قال الإمام مالك بن دينار: بينما هو ماشي في الطريق رأى رجلًا مخمورًا، طرحته الخمرة أرضًا، والزبد على شفتيه، ويقول: الله، الله وهو في حالة الهذيان، فعظم على هذا الإمام أن يخرج هذا الاسم (اسم الجلالة) من فم نجس، وتلطف معه، ومسح فمه، وأكرمه على الرغم من سكره، وبعد أن صحا قيل لهذا السكران: أتدري من اعتنى بك واهتم بحالك؟ إنه الإمام مالك، يبدو أن هذه العناية اللطيفة بهذا العاصي أثارت حساسيته.

إخوانا الكرام، أحيانًا العصاة عندهم رقة، مغلوبون، يعصون الله ويبكون فالداعية الناجح يتلطف مع هؤلاء، يحتويهم، يأخذ بيدهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت