كذلك أن هذا الأمر المشترك هو مستند فعل المجتهد، وهم يعترفون بذلك، إذ لولا هذا المشترك لما أمكن الإلحاق.
فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك فكيف يطلق كثير من الأصوليين اسم القياس على فعل المجتهد؟
فالجواب: إن فعل المجتهد لما كان سبيلا إلى معرفة الدليل أيضا: وهو الذي تكون به ذمة المكلف مشغولة بالحكم، اعتبر الفعل كأنه الدليل.
فإن قيل: إن سلم لكم هذا يكون إطلاق اسم القياس على فعل المجتهد غير حقيقي.
أجيب: بأن هذا كذلك، لكن صار حقيقة عرفية لهذا الفرق [1] .
ومن هنا اختلف العلماء في تعريف القياس فمن نظر إلى أن القياس هو ثمرة المساواة، وهو ظن المجتهد أن حكم ما لا نص فيه مثل حكم المنصوص عليه لاتحادهما في العلة، عبر عنه بفعل المجتهد، فعرفه بأنه حمل فرع على أصل، أو حمل معلوم على معلوم، أو بأنه إثبات حكم معلوم، أو بأنه تعدية حكم معلوم أو حمل مجهول الحكم على معلومه وإلحاقه به في الحكم لاشتراكهما في العلة التي بني عليها الحكم وشرع من أجلها.
ومن نظر إلى أن القياس هو أحد الأدلة التي أقامها الشارع لمعرفة الأحكام، وهو موجود قبل اجتهاد المجتهد، عرفه بأنه مساواة فرع الأصل [2] .
هذا ويرى بعض الباحثين أن الحكم الوارد في الأصل ليس هو الذي ينقل إلى الفرع وإنما يحكم في الفرع بمثل ما حكم به في الأصل، وليست العلة الموجودة في الأصل هي بعينها العلة في الفرع بل مثلها، ولذا يعرف القياس بأنه (إبانة مثل حكم الأصل بمثل عليته في الفرع) .
أما القياس ففعل القائس، وهو تبيين وإعلام أن حكم الله تعالى كذا وعلته كذا، وهما موجودان في المواضع المختلف فيها، معللا ذلك بأن إثبات الحكم وتحصيله وإيجاده فعل الله تعالى، وكل من الحكم والعلة في الأصل وصفان أصليان لا يمكن نقلهما، فلك أيضا على هذا أن تعرف القياس بأنه (تبيين مثل حكم المتفق عليه في المختلف فيه بمثل علته) [3] .
(1) راجع لاستخراج ما تقدم، حاشية العطار مع شرح جمع الجوامع جـ 2 ص 218.
(2) نزهة المشتاق شرح اللمع، لأبي إسحاق ص 631.
(3) تقنين أصول الفقه ص 68.