فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 92

أمر تطبيق الأحكام والإفتاء إلى القضاة والمفتين، كما أن استنباط تلك الأحكام مما يختص به المجتهدون في كل تشريع، فهؤلاء هم الذين يجتهدون في أحكام المسائل الجزئية أو الخاصة ويحاولون إلحاق ما لم تتناوله النصوص بالذكر بما هو منصوص عليه فيعطون النظير حكم نظيره ويساوونه به، جمعا بين المتماثلات.

وبمقتضى هذا الواقع المألوف أو المنطق الذي لا محيد عنه، تكون الشريعة الإسلامية متعاملة مع الواقع مراعاة لمقتضى التطور، ونزولا تحت مقتضيات الظروف وتجدد الحوادث وتشعب القضايا، بعيدة كل البعد عن الجمود، فهي تنص في مصدريها الأصليين على القواعد العامة وأحكام الأصول التشريعية والمسائل الأساسية، تاركة التفاصيل لمجتهدي الأمة وآراء العلماء الذين أشرقت أذهانهم وتشبعت أرواحهم بمقاصد الشرع، وأحاطت مداركهم بدقائق التشريع، ومن هنا برزت الحاجة إلى الاجتهاد بالرأي الصحيح أو بما يسمونه القياس.

فالقياس فيه تلبية لمتطلبات الأمة وحاجاتها لمعرفة أحكام الحوادث والقضايا التي لا تناهى لها ولا حصر، كما أن فيه توسعة للمدارك والأفهام، حتى لا تقف حائرة أمام قضية لم يرد نص بحكمها، وهو من أدق مباحث علم الأصول وأصعبها مراسا فهو مما خاضت في بحوره أساطين العلماء وأنكره أناس، نظرا لما دخل في أذهانهم من التباس.

ومرتبة القياس تأتي بعد الكتاب والسنة والإجماع، إذ لا قياس مع النص، كما لا قياس مع الإجماع، ولا ينازع في ذلك إلا مكابر.

هذا وأن القياس من حيث إثباته وإنكاره منه ما هو متفق على صحته واعتباره، ومن ما هو مختلف فيه.

لا خلاف بين العلماء من هذه الأمة في أن القياس الصادر عن النبي صلى عليه وسلم حجة يجب العمل به إذ هو سنة، كقياسه دين الله على العباد في سقوط القضاء، إذا أداه عن المدين غيره، كما في حديث الخثعمية [1] ، وكقياسه قبلة الصائم على إدخاله الماء في الفم ثم مجه

(1) وحديث الخثعمية، ما جاء في رواية ابن عباس إن امرأة من خثعم، قالت للنبي صلى الله عليه وسلم (أن فريضة الله على العباد أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه، قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية عنه، قالت: نعم، قال: فذاك ذاك) انظر مسند الإمام الربيع بن حبيب جـ 1 ص 151،150، ط 2، المطابع العالمية مسقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت