فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 92

وإنما أمرنا الله تعالى أن نتفكر في عظيم قدرته في خلق السماوات والأرض، وما حل بالعصاة .."."

وأجيب عن هذا الاعتراض بأن المراد من (اعتبروا) ليس الاتعاظ فقط، وإنما مطلق الاعتبار الذي يكون القياس الشرعي جزءا من جزئياته وفردا من أفراده، وهذا المعنى يناسب صدر الآية ولا ركاكة فيه، إذ يكون معنى الآية يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فقيسوا الأمور بأشباهها يا أولى الأبصار، فالمقصود من الآية إذا هو تقرير سنة عامة من سنن الله في خلقه وهي أن كل ما جرى على النظير يجري على نظيره.

وأما ركاكة التعبير التي لاحظناها في توجيه الاعتراض فمنشؤها الإتيان بفرد من أفراد الاعتبار، وهو القياس بخصوصه، وهو لا يتأتي عند تقدير الكلام بالمعنى الأعم أو المطلق للاعتبار، فإن من سئل عن مسألة فأجاب بما لا يتناولها فإن جوابه يكون باطلا، أما لو أجاب بما يتناولها ويتناول غيرها فإن جوابه يكون حسنا.

ويؤكد دلالة هذه الآية على حجية القياس آيات كثيرة تقرن الحكم بعلته، مما يثبت أن أحكام الشارع معللة بالمصالح، مرتبطة بالأسباب، مثل قوله سبحنه في بيان حكمة القصاص:"ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ" [1] وقوله في المحيض:"قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ" [2] ، وقوله في إباحة التيمم"مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ" [3] وقوله في تحريم الخمر والميسر"إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ والْمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" [4] .

كل هذا ونحوه من تعليل النصوص والأحكام، يدل على أن الحكم يوجد مع سببه، وهو معنى القياس حيث لا يوجد نص، فيجب أن نقيس، وإلا كانت الأوامر كلها تعبدية، وهذا غير ثابت.

2 ـ السنة: لقد ورد في السنة النبوية الشريفة ما يدل على ثبوت العمل بالقياس حتى وصلت الآثار في الأقيسة إلى التواتر المعنوي، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا

(1) سورة البقرة الآية: 179.

(2) سورة البقرة الآية: 222.

(3) سورة المائدة الآية: 6.

(4) سورة المائدة الآية: 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت