يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه [1] ، وسمي الأول بقياس الطرد لاطراد الحكم ما تثبت فيه العلة، وسمي الثاني بقياس العكس لتضمنه نفي الحكم لنفي علته وموجبه.
والأمثلة لقياس الطرد كثيرة جدا لا تكاد تحصى.
أما قياس العكس فقد ساق ابن القيم له عدة أمثلة، ولنقتصر منها على مثال من القرآن ومثال من السنة.
أ ـ فمن القرآن قوله تعالى:"ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ومَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ ومَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" [2] .
قال ابن القيم: هذان مثلان متضمنان قياس العكس، فالمثل الأول ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان، فالله سبحانه هو المالك لكل شيء ينفق كيف يشاء على عبده سرا وجهرا، وليلا ونهارا، يمينه ملأى لا يغيضها نفقه، سحاء [3] الليل والنهار، والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف يجعلونها شركاء لي ويعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين [4] .
ب ـ ومن الحديث الشريف قوله عليه السلام"وفي بضع أحدكم صدقة" [5] ، قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيه أجرا؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر"قال: وهذا من قياس العكس الجلي البين، وهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لثبوت ضد علته فيه [6] ."
عرفنا أن للقياس أركانا أربعة هي الأصل والفرع والعلة وحكم الأصل وهي تقابل في علم البيان أركان التشبيه الأربعة: وهي المشبه به، والمشبه، ووجه الشبه الذي يجمع بينهما،
(1) راجع مناهج العقول جـ 3 ص 62.
(2) سورة النحل الآيتان: 76،75.
(3) السح: الصب والسيلان من فوق: مختار الصحاح ص 488، ط بيروت، دار الكتب العلمية.
(4) أعلام الموقعين جـ 1 ص 160.
(5) أخرجه مسلم زكاة 52، وأبو داود تطوع 12 وأدب 160، وابن حنبل 5، 176، 168.
(6) أعلام الموقعين جـ 1 ص 160، 161.