فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 92

إن المرء إذا تجرد من الميل لأحد المذهبين ونظر في القرآن الكريم، وتتبع أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، وجد أدلة كثيرة على استعمال القياس [1] مما يؤدي إلى ضرورة القول بحجيته فيما لم يرد فيه نص أو إجماع.

فمن الآيات القرآنية قوله تعالى:"ولَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ * أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلائِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ" [2] فهذا إنذار من الله سبحانه وتعالى إلى كفار قريش بإنزال العذاب عليهم، كما عذب آل فرعون، لتماثلهم في السبب وهو تكذيب الرسل، وفي هذا تعدية للحكم الذي كان لقوم فرعون إلى من جاء بعدهم.

ومن قوله عز وجل:"وعَدَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ والْمُنَافِقَاتِ والْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ * كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وأَكْثَرَ أَمْوَالًا وأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ وأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ" [3] . فهذا وعد للمنافقين بنار جهنم، كما وعد الذين من قبلهم، لتماثلهم في السبب الداعي إلى دخول جهنم، وهو الأعمال السيئة التي ذكرها الحق تعالى بقوله:"فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ"الآية، ومعناه أنه قاس قوما على قوم في الحكم، لتماثلهم في العلة الداعية إليه.

وأما أعمال الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته من بعده فقد سبق بيان أمثلة منها، فلا داعي لإعادتها.

القياس في القرآن الكريم

وأنواعه

لقد ورد استعمال القياس في القرآن الكريم والاحتجاج به تنبيها للعقول الغافلة بإقامة البرهان الساطع على وحدانية الله وقدرته الباهرة، وذلك في مواقف كثيرة، ولم يقتصر وروده على نوع واحد من أنواعه، فجاء فيه قياس العلة، وقياس الدلالة، كما ورد فيه قياس الشبه محكيا عن المبطلين محتجين به على دعواهم فيما يدعون، وها نحن نورد كل من الأنواع الثلاثة مقترنا بالأمثلة:

(1) أعلام الموقعين 1/ 130 وما بعدها، ومحاضرات الزفزاف 15 وما بعدها.

(2) سورة القمر الآيات: 41 - 43.

(3) سورة التوبة الآيتان: 68، 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت